ويمكننا بعد الذي تقدم أن نقول: إن نساء ابن عساكر وضعن بين أيدينا طرفًا من الحياة الاجتماعية والسياسية، والأدبية والدينية عبر خمسة قرون من تاريخ الحضارة العربية، بالإضافة إلى أخبار وقصص عن القرون الأولى من الحضارة الإنسانية نجدها في تراجم الكاهنات والقديسات والملكات من أمثال بلقيس ومريم وسارة وهاجر. وكانت أخبارهن مطبوعة بطابع التشويق، يحس قارئها بالمتعة وهو يضيع في متاهاتها، لا يشعر بالملل مع طول الخبر، لأن طول الخبر تلازمه الطرافة والندرة دائمًا.
وقد وجدنا أن بين هؤلاء النساء الأدبيات، والشاعرات والمحدثات، ومنهن من عرفت بخبر نادر، أو ملحة لطيفة. ولكثير منهن ذكر في كتب النسب والتاريخ، لأنهن عربيات من ذوات الحسب والنسب. وبعضهن كن زاهدات، متعبدات، وكانت حفاوة المصنف بهن كبيرة، لأن الزهد والعبادة، ومعرفة الله من أكبر الميزات التي تفتح باب التاريخ على مصراعيه أمام المترجمات، ولذلك فقد احتلت أخبار التصوف والزهد جانبًا كبيرًا من تراجم النساء في التاريخ الكبير.
وإذا كنت قد أطلت الحديث عن النساء اللواتي ترجمهن ابن عساكر فقد كانت إطالة لابد منها لإزالة تلك البقع الصفراء من صفحة ناصعة البياض، مزدانة بحروف زاهية تؤلف ملحمة للكرامة، والعزة، والإباء، والأنفة. تمثل دور البطولة فيها الأم العربية بشكل خاص، والمرأة العربية بشكل عام.
سكينة الشهابي
الهوامش:
(1) يحدثنا التاريخ أن عبد الملك بن مروان حدد المهور بأربعمائة درهم، والسبب في ذلك أنه خطب زينب بنت عبد الرحمن المخزومية فجاء من أغرى والدها بزيادة في المهر قبل أن يصل هذا الوالد إلى عبد الملك الذي أرسل في طلبه ليخطب عليه ابنته. عندها قال عبد الملك ما معناه: إن فضليات النساء تذهب بهن كثرة المهور. انظر (ت 34) من أخبار النساء في تاريخ دمشق.
(2) انظر (ت 16 من أخبار النساء في تاريخ دمشق) .
(3) انظر (ت1 من أخبار النساء.) .