فهرس الكتاب

الصفحة 20331 من 23694

ولم تكن دروس أستاذنا دروسًا معقدة، كان يميل إلى البساطة في كل شيء في تبسيط البحوث، وفي لغته وجمله وتعابيره، حتى ليظن الجاهل أنّه يتحدّث حديثًا عاديًا، لا أنه يتكلم الفصحى مع صحة كلامه وخلوه من اللحن بله الهفوات، ولم يكن مع كل هذا ليرفع صوتًا ولا ليجهد حلقًا، بل ينساب كلامه بهدوء بالغ، والطلاب منصتون كأن على رؤوسهم الطير، لا تسمع لهم حسًَّا ولا همسًا.

كان يدخل مع بداية الوقت ويخرج مع نهايته، لا تضيع لحظة واحدة من درسه في كلام خارج عن الموضوع ولا في حديث شخصي. يدخل ومعه وريقات يصحبها دومًا، فيكتب منها على السبورة خطوط البحث العريضة وشواهده، وقد يتطوع بكتابتها أحد طلابه. ثم يبدأ بشرح نقاط الدرس نقطة نقطَة تسلمه كل واحدة إلى التي تليها برابط منهجي.. وهكذا حتى يفرغ من البحث المطلوب مع انتهاء الدرس.

ومن الجدير بالذكر أن أستاذنا نبهنا -على خلاف ما اعتدنا عليه مع كثير من أساتذتنا -أنه إذا اعترضتنا مشكلة خلال شرحه ألا نرجئ سؤالنا عنها إلى ما بعد الفراغ من الشرح. بل أن نلقي به فورًا.

ولكن بعضنا كان يخشى السؤال، لئلا يكون سؤالًا غبيًا، أو في غير مكانه، فيجابهه الأستاذ بتعليق ساخر، قد يضحك عليه زملاءه الطلاب والطالبات معًا.

وكنا في استراحاتنا بين الدروس نتداول قصصًا طريفة كانت تجري في دروس الأستاذ أبطالها شخصيات من الطلاب والطالبات، ممن ساقهم سوء طالعهم إلى تعليقات لا يوفرها الأستاذ، حفظها بعضنا عن ظهر قلب، وتناقلنا بعضها الآخر من الطلاب قبلنا.. ثم خرجت لطرافتها من بين جدران الجامعة إلى مجالس المثقفين في دمشق وما حولها وسارت على الأفواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت