ثم لما اتسعت لهم دوائر الفتوحات واختلطوا بالأمم الذين سبقوهم في الحضارة اتسع لهم نطاق المعارف، فأخذوا عن اليونان تآليف أرسطو (101) وشرحوها بإمعان نظر، لكن من سوء (102) البخت لم يأخذوا الفلسفة من كتب اليونان الأصلية، وإنما تعلموها من الكتب المترجمة بلغة أهل الشام، فهم ترجموا المترجم، فلذلك لما نقلها الفيلسوف العربي حفيد ابن رشد (103) إلى أوربا في القرون المتوسطة [29] وجد بها التحريف أكثر مما وقع فيها أولًا. وأما العلوم الرياضية فقد صادف فيها العرب المرمى، والفضل في ذلك للعلماء الذين جلبهم الخليفة المأمون من القسطنطينية، وفي أوائل القرن التاسع المسيحي أمر الخليفة المذكور عالمين من فلكية بغداد أن يقيسا مسافة درجة واحدة من خطوط الطول بصحراء سنجار ويزناها ليثبت بذلك تكوير الأرض بالمشاهدة، وقد تبين ذلك باختلاف ارتفاع القطب الشمالي عن طرفي (104) الخط المقيس، وقد شرح العرب كتاب إقليدس (105) وهذبوا زيج (106) بطليموس (107) وحرروا حساب تعريج منطقة البروج؛ كما حرروا الفرق بين أوقات الاعتدال والفرق بين السنين الشمسية والزمنية، فوجدوا بينهما عدة دقائق، ومنهم حازت مدينة (سمرقند) قبل أوربا بكثير محلَّ رصد عجيب (108) . ويمكن أنهم نقلوا إلينا على ذلك [30] الوجه البوصلة أي: بيت الإبرة، والبارود الذي تعلموه من أهالي (109) الصين كما يعترف لهم أهل أوربا بمزية اختراع الكاغد (110) من القماش، وبذلك كثرت الكتب وتدنت أسعارها! وقد اشتهر العرب أيضًا بمعرفة الطب الذي كانوا تلقوه من كتب اليونان، ولابن رشد تعليقات عديدة على كتب جالينوس (111) شاهدة بما ذكر. ومن فلاسفتهم عدة أشخاص صاروا في مدة واحدة (112) حكماء وأطباء مشاهير مثل أبي علي بن سينا المتوفى سنة 426هـ، وابن رشد المذكور.