كما نعرف أيضًا أن هذه المدينة كانت قبيل سيطرة الإسكندر المكدوني على المنطقة تحت حَكم أسرة عبد حدد، وهي أسرة آرامية على ما يبدو، وأصبحت منبج في ظلها مركزًا لعبادة الإلهة أتار غاتس ATARGATIS وزوجها الإله حدد، ولقد أعادت زوجة سلوقس الأول بناء معبد أتارغاتس الوثني في بامبيس، للتدليل على مدى احترام السلوقيين لهذه الآلهة، ومما زاد في أهمية منبج أنها أصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة الفرس في العصر الهلنستي، واستمرت في لعب هذا الدور في العصرين الروماني والبيزنطي، يشهد على ذلك الآثار المتبقية حتى وقت قريب والمتمثلة في تحصينات الإمبراطور جوستنيان لهذه المنطقة. وفي هذه المدينة أرغم الإمبراطور البيزنطي هرقل خصومة الفرس على إعادة الصليب الذي كانوا قد استولوا عليه من مدينة القدس عام 610م، وكان البيزنطيون يعتقدون أن ذلك الصليب هو الذي صلب عليه السيد المسيح، ومن هنا جاءت أهميته للبيزنطّيين، وقد بقي عند الفرس حتى عام 630 م، وأشار القرآن الكريم إلى الخلاف بين البيزنطيين والفرس في الآية الكريمة:
"غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ( [5] ) ".
وعندما بدأت الفتوحات العربية الإسلامية كانت منبج تحت الحكم البيزنطي، إلا أنها تحررت منه زمن الخليفة عمر بن الخطاب الذي كلَّف عامر بن الجراح"أبا عبيدة"بطرد البيزنطيين من أراضي بلاد الشام، وذلك بعد انتصار القوى الإسلامية في معركة اليرموك مما شجعهم على متابعة الزحف نحو الشمال والشمال الغربي لنشر قيمهم الدينية والأخلاقية التي جاء بها الإسلام.
زحف أبو عبيدة بقواته نحو حلب الساجور، وقدَّم عياض بن غنم الفهري إلى منبج ثم لحق به ( [6] ) ، وقد صالح إنطاكية على شروط هي الجزية أو الجلاء، فجلا بعضهم، وأقام بعضهم فأمنهم ووضع على كل حالم منهم دينارًا وجريبًا ( [7] ) .