فهرس الكتاب
* كما أن أهم خاصية لهذا الكتاب هو جمعه للنصوص المختلفة، والتعقيب عليها بالاستحسان والاستهجان، وبالموافقة والمخالفة، مع الإشارة إلى مواطن الجودة فيها، ومواضع الضعف، وخلق جو من المناقشة القائمة على الإتيان بالدليل المقنع، والحجة الدامغة، مقلبًا وجوه الرأي في المسألة الواحدة، مما يدل على حسه النقدي، وقدرته المنهجية على التحليل والتركيب، واستخدام أدوات ومناهج المناقشة والجدل.
* ولا أدل على صحة هذا من تلك المناقشات والمجادلات التي يعرض لها، وقد دارت أحيانًا بين أهل اللغة من النحاة والمناطقة من الفلاسفة وأهل الفكر، كتلك المحاورة المشهورة بين السيرافي المشتغل باللغة والنحو، ومتى بن يونس المنطقي، تلك المحاورة التي عرض لها التوحيدي في مؤلفاته، وتوقف عندها ابن الأزرق، موضحًا موقفًا له مختلفًا عن ذلك الذي أخذه ابن رشد من قبل من هذه المشكلات العلمية التي وجدنا أصداءها تتردد في التراث العربي والإسلامي، وسوف يكون لها موضع من بعد في التراث الفلسفي الإنساني، فالعلاقة بين النحو والمنطق من جهة واللغة والفكر من جهة أخرى، تلك العلاقة التي صارت موضوعًا أساسيًا من موضوعات المنطق والفلسفة، خاصة في القرن العشرين، تجلت واضحة عند فلاسفة ومناطقة غربيين أمثال:"جلبرت رايل"و"جورج مور"و"برتراند رسل"و"لودفيج فتجنشتين"و"فريجه"وغيرهم.
* وهكذا نلاحظ من استعراض كتابي"روضة الأعلام"و"بدائع السلك"ثقافة ابن الأزرق الموسوعية، وإدراكه الواسع لمختلف العلوم والمعارف والآداب والفنون في عصره، وفي العصور السابقة، بل يمكننا أن ندرك مدى عمق ثقافته اللغوية والأصولية والمنطقية والفلسفية فضلًا عن الأخلاقية، وذلك من كثرة استعماله للمصطلحات الدقيقة في مختلف هذه العلوم. فإننا مثلًا نجد مصطلحات: البرهان والتجربة والاستقراء والاستنباط، والجوهر والعرض والجزء الذي لا يتجزأ،