وأخيرًا أشار إلى مراجع المقدمة والتحقيق والتعليق، فكان تحقيقًا متميزًا وجهدًا مشكورًا أعادنا فيه الأستاذ محمد الأثري إلى صفحات من تراثنا الخالد في الشعر واللغة والغريب، والشرح والتفسير، وأسبق لنا هذه الصفحات بمقدمات مفصلة تناول فيها الشاعر المادح، والشخصية الممدوحة، والمؤلف الشارح لذلك المدح، والجهد الذي بذل لإبراز ذلك كله، ثم عقب بعد تحقيق ذلك الشرح بالفهارس والذيول المتنوعة الكافية لتسهيل العودة إلى كل ما يحتاجه القارئ من هذا الكتاب.
جزى الله شاعرنا أبا نواس وعالمنا ابن جني ومحققنا محمد بهجة الأثري خير الجزاء على ما بذلوه لخدمة تراثنا وحفظ لغتنا التي هي الركن الخالد من أركان حضارتنا في ماضينا وحاضرنا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ومن حق القارئ علينا في الختام أن نذكر له مطلع هذه الأرجوزة الموسومة بمنهوكة أبي نواس لأنها من منهوك الرجز:
وبلدة فيها زور
وكأني بالقارئ حين يعلم أن أ بيات هذه الأرجوزة تنوف على الخمسين بيتًا لن يستغرب أن يأتي شرحها كتابًا برمته. فأي غريب ذاك الذي جشم أبو نواس نفسه مشقة إيراده في هذه الأرجوزة التي بدأها بوصف البقاع العسيرة والاجتياز، ثم وصف الجمَل القوي الذي كان مطية الانتقال عبر هذه البقاع والتي كانت طريقه إلى الممدوح. ثم أخذ بعد ذلك بالمديح؛ متنقلًا بين شتى الخصال التي يعتز بها العربي بعبارات موغلة في الصعوبة والغرابة لا يكاد يخيل لقارئها أن قائلها نفسه هو الذي قال: ... وعجت أسأل عن خمارة البلد
عاج الشقي على رسم يسائله
يبكي على طلل الماضين من أسد ... لا در درك قل لي من بنو أسد
دع ذا عدمتك واشربها معتقة ... صفراء تفرق بين الروح والجسد
فاشرب وجد بالذي تحوي يداك لها ... لا تدخر اليوم شيئًا خوف فقر غد
وقال أيضًا في مدح الفضل: ... فجللت عن شبه النظير
يا فضل جاوزت المدى
أنت المعظم والمكبر ... في العيون وفي الصدور
حتى تعصرت الشبيبة ... واكتسبت من القتير