فهرس الكتاب

الصفحة 22129 من 23694

وما يؤسف له أنه لم يستطع أن يحقق ما كان يطمح إليه، على الرغم من الجهود التي بذلها في هذا المجال، لأن يدًا واحدة لا تصفق، ولأن صوته الجريء أزعج الإقطاع، فضاق به وحقد عليه وحاول نفيه إلى إزمير. هذا عدا الأعراف والتقاليد التي تسيطر على الناس، ويصعب اقتلاعها أو حتى تشذيبها.

وهربًا من الحصار والإخفاق قرر القسام السفر إلى الآستانة، وفي نفسه رغبة تحدوه إلى مزيد من التعلم والإطلاع على الجديد من الآراء والأساليب المتبعة في الدروس المسجدية.

فإذا كان الجهاد بالسلاح هو همه الأول، فإن همه الثاني هو تخليص الدين من البدع والشوائب التي شوهت وجهه، بفعل الجهل حينًا والإساءة المقصودة أحيانًا كثيرة. لكن مقامه في الآستانة لم يطل، لما لقيه من أمية الناس وعدم معرفتهم اللغة العربية وجهلهم تعاليم الدين حتى البديهي منها. فرجع إلى جبلة وفي نيته البدء من جديد، ففتح مدرسة يدرس فيها اللغة العربية وعلوم الدين، في النهار للأطفال واليافعين وفي المساء للكبار. وفي جامع السلطان إبراهيم يعطي لمن يرغب دروسًا في الحديث وتفسير القرآن. في حين جعل حديثه في خطبة الجمعة مقتصرًا على حث الناس وتنبيههم إلى ضرورة التعاون والمحبة والعمل المثمر للتغلب على الفقر والبؤس، وعلى توضيح بعض المسائل التي استعصى فهمها عليهم. فكان بهذا العمل المكثف، يعبر عن احتجاج صامت على تردي الأوضاع في المجتمع، من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية.

إن انغماس القسام في التعليم والعمل الاجتماعي، لم يحجبه عن ممارسة دوره الريادي في محاربة الاستعمار. فبعد الاحتلال الفرنسي لسورية والبريطاني لفلسطين، أحسَّ أن فرصة الجهاد جاءت تسعى إليه. ولا سيما أنه متأثر بأحمد عرابي ومواقفه النضالية في تحرير أرض مصر من دنس الاستعمار البريطاني. وبآراء المصلح المتنور جمال الدين الأفغاني الذي يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت