فهرس الكتاب

الصفحة 22403 من 23694

احترس الدّلْجي سليمٌ في قوله:"فإنّ ذلك إن قاله الأخْفَش". وإذا صح أنه قال ـ وبهذا جاءت الأخبار ـ فإنّ احتمال وجود نُصوص أُخرى لابن الرومي في الأخفش واردٌ كما بينتُ في ما سبق. ومن هنا يكون الأخْفَشُ قد احْتَمل الشاعِرَ في بعض شعره، فملا كَثُرَ الهجاءُ واشتدَّ طلبَ المصالحة.

ويبقى حكم الدَّلْجِي صحيحًا في تحليله الذي يَدْخُلُ في العصر الحديث في الدراسة النّفسيّة"على المنهج النفسي الذي أفاد منه العقّاد في دراسته لابن الرومي."

وعبارة ابن خَلّكان التي اطّلع عليها الدّلجي في مَعْنى عبارة الزّبيدي الأندلسي، ونصَّها في وفيات الأعيان:

"وكان الأخفش يحفظها، ويوردها في جُملة ما يورد استحسانًا لها، وافتخارًا بأنّه نوّه بذكره إذْ هجاء"وزاد بعدها"فلّما علم ابن الروّمي بذلك أَقْصَر عنه [1] ".

لقد جَعل ابن الرُّومي الهجاء الذي يصل إلى الإقْذاع وانتهاك الأعراض وسيلةً للردّ على النّقد: نقد الشعر خاصّة.. نعم لقد كان ابنُ الرّومي مسبُوقًا بالفرزدق وغيره ممّن ينظم القطعة والقطعتين، والبيت والبيتين؛ ولكنّ ابن الرومي تجاوز ذلك كلّه، وصار ظاهرة أو"قضية"تدخلُ في الأدب والنقد، وتوضع في حُسبان الذّين يؤرّخون للحركة النّقدية، وإن كانت قضيةً جُزئيةً أو محدودة

ويظهرُ لي أنّ المعركة بين الرَّجُلَين هَدأت بكفّ الأخفش عن ابن الرُّومي، فإنّ الأخفش هو الذي تأذّى بين طُلاّبه، وأصحابه من ذلك الهجاء الفاحش.

وتحلّي الأَخفش بالصبّر وسعة الصّدر ينتهي عند حُدود الإزعاج، وسيرورة الكلام القبيح الذي كان يسيرُ ويشيعُ، ويتلقَفُه الكبير والصَّغير، ويكون مادّة للسَّمَر والسّهر عند عِلية القوم وعامّتهم على السَّواء...

أمّا ابنُ الروُّمي فلم يكن الأخفشُ هَمّه الأَوّل في حَياته المُضطربة الصَّعبة، ولا هَمّه الأخير...!

(1) وفيات الأعيان 3: 302 وقد مرَّت عبارةُ الزبيدي الأندلسي في آخر الفقرة السابقة: (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت