وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذه السيرة، فإنها لم تحقق، ولم تطبع حتى الآن طبعة علمية، مشروحة ومضبوطة. صحيح أنها موجودة في ثلاثة كتب4، وأن هذه الكتب متداولة وموجودة، ولكن هذه الكتب لم تحقق ولم تطبع حتى الآن طبعة علمية دقيقة يمكن الركون إليها، ففيها أخطاء وتصحيفات، والأعلام وأسماء الأمكنة لم تضبط بالشكل الكافي، ولم يعرف بها التعريف الذي يفيد النص، ويجعله في متناول القراء والدارسين.
لذلك عمدنا أنا والزميل محمود فاخوري إلى تحقيق هذه السيرة، ونشرها، معتمدين على نصها الوارد في كتاب"أخبار العلماء بأخبار الحكماء"للقفطي، ومقارنين هذا النص بنص تلك السيرة الواردة في الكتابين الآخرين"تاريخ حكماء الإسلام"للبيهقي و"عيون الأنباء في طبقات الأطباء"لابن أبي أصيبعة. ثم قام الصديق الدكتور حكمت حمص، بترجمة نص السيرة إلى اللغة الفرنسية5.
وقد عملنا جهدنا، على ضبط النص ضبطًا دقيقًا، ومقابلته بما ورد في عيون الأنباء، وتاريخ حكماء الإسلام، وفي المصادر التي اختصرت سيرة ابن سينا كـ"وفيات الأعيان"و"خزانة الأدب"وصححنا كثيرًا من الأخطاء التي وقع فيها الناشر الأوربي، كما فسرنا من الألفاظ ما يحتاج إلى توضيح، وعرفنا بالأعلام وأسماء الأمكنة الكثيرة التي وردت في النص، وكل ذلك له أهميته في جلاء جوانب السيرة، مستفيدين من المراجع التي أوردناها في نهاية البحث، ومقدمين بكلمة عن السيرة، ومصادرها، ومقارنة النصوص الواردة فيها، وما تقدم من فوائد لدارسي حياة ابن سينا، تلك السيرة التي نجد فيها أسماء بعض أستاتذة الشيخ الرئيس، وتلامذته، وتفصيلات كثيرة عن حياته ونفسيته ودراسته، وهي تقدم لنا كذلك قائمة بأشهر مؤلفاته، تبين لنا المدن والقرى التي ولد فيها، أو عاش فيها حياته، وأخيرًا تفصيلات أخرى عن جوانب جزئية دقيقة من أعماله، وصورته، وحياته الخاصة.