فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد العاشر - ربيع الثاني 1403 - كانون الثاني"يناير"1983 - السنة الثالثة
فهرس العدد
من قصص التراث
حدثني أبو الحسن بن هارون الزنجاني القاضي صاحب المذهب قال: اصطحب رجلان في بعض الطرق مسافرين: مجوسي من أهلي الرّي، والآخر يهودي من أرض جيّ (1) ، وكان المجوسي راكبًا بغلة له عليها سفرة (2) من الزاد والنفقة وغير ذلك، وهو يسير مرفَّهًا وادعًا، واليهودي يمشي بلا زاد ولا نفقة، فبينا هما يتحادثان إذ قال المجوسي لليهودي: ما مذهبك وعقيدتك يا فلان؟ قال اليهودي: أعتقد أن في السماء إلهًا هو إله بني إسرائيل، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل، مع صحة البدن، والسلامة من كل آفة، والنصرة على عدوي، وأسأله الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد أن من يخالفني دمه لي يحل، وحرام عليّ نصرته ونصيحته والرحمة به. ثم قال للمجوسي: قد أخبرتك بمذهبي وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري، فخيِّرني أنت أيضًا عن شأنك وعقيدتك وما تدين به ربك؟ فقال المجوسي: أما عقيدتي ورأيي فهو أني أريد الخير لنفسي وأبناء جنسي، ولا أريد لأحد من عباد الله سوءًا، ولا أتمنى له ضرًَّا، لا لموافقي، ولا لمخالفي. فقال اليهودي: وإن ظلمك وتعدى عليك؟ قال: نعم، لأني أعلم أن في هذه السماء إلهًا خبيرًا عالمًا حكيمًا لا تخفى عليه خافية من شيء، وهو يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. فقال اليهودي: يا فلان، لست أراك تنصر مذهبك وتحقق رأيك. قال المجوسي: كيف ذاك؟ قال: لأني من أبناء جنسك، وبشر مثلك، وتراني أمشي جائعًا نصبًا مجهودًا، وأنت راكب وادع مرفه شبعان. فقال: صدقت، وماذا تبغي؟ قال: أطعمني من زادك، واحملني ساعة، فقد كللت وضعفت. قال: نعم وكرامة.