وعلى هذا، فالمجتهد على الرغم من خطئه القصوري، مأجورٌ لا مأزور، نظيرَ ما بذل من جهد علمي في سبيل إقامة الأدلة، والنظر فيها، والاستدلال بها على مجتهَده وتكييف هذا الاستدلال على ما أنتجت الأدلة من معانٍ وأحكام، سالكًا في سبيل ذلك كلُّه المنهج العلمي الأصولي في الاجتهاد التفسيري أو الفقهي، وهذا في مستطاعه بداهة، فكان مسؤولًا في هذا المجال فقط، فلا وجه إذن للمتحرِّجين أو المتأثِّمين من الإقدام على تفسير القرآن الكريم، بإعمال آرائهم في نصوصه، فيما فيه مجال للرأي، بحجة تورعهم عن الخطأ، ما داموا قد بذلوا أقصى وسعهم العلمي في هذا السبيل، وهذا التورع هو ما نعاه الإمام الطبري نفسه على من لاذَ به، وكذلك الإمام الشاطبي، والقرطبي، ولا سيّما الإمام الماوردي، على ما سيأتي بيانه.
ولا جرم أن الإسلام قد فتح بذلك باب الاجتهاد في التفسير على مصراعيه، فيما ليس للكتاب ولا للسنة فيه بيان، أنّ في الاستنباط ابتداء، أو التطبيق العملي انتهاء، وبدا إرساؤه لمبدأ حرية الفكر من أهله، والاستقلال بالرأي القائم على العلم، في تحريمه أن يقلد مجتهد مجتهدًا مثله، في الموضوع محل الاجتهاد، لما ذكرنا، من أن ما يغلب على ظن المجتهد أنه هو"عين الحق"بالنسبة إليه، لأنه ثمرة بحثه العلمي المتعمق الشامل للمسألة المعروضة بكافة أبعادها، بإخلاص وتجرد وموضوعية -يلزمه هو اتباعه، والجهر به، إذ لا يجوز كتمان العلم، شرعًا، لقوله (: [من كتم علمًا يعلمه، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار] (132) ولقوله تعالى: (لتبيِّننَهُ للناس، ولا تكتمونه (( *) ثم حرَّم عليه تقليد غيره من المجتهدين في موضوعه، ما دام قد اجتهد هو فيه، لأمرين:
أولهما: حملًا لهذا الغير على الاجتهاد، ما دام متمكنًا منه، وبالغًا مرتبته من التخصص العلمي، إذ لا يجوز للعالم تعطيل طاقاته العلمية الموهوبة أو المكتسبة، نهوضًا بهذا المرفق العلمي الهام، شرعًا، في كل عصر.