ويتدرج مؤلف القانون والشفاء هكذا إلى ذكر عشق النفوس العليا التي ينعتها بالإلهية وينتهي إلى أن كل واحد من الموجودات يعشق الخير المطلق عشقًا غريزيًا وأن الخير المطلق يتجلى لعاشقه إلا أن قبول الموجودات لتجليه واتصالها به على التفاوت وأن غاية القرب منه هو قبول لتجليه على الحقيقة أعني على أكمل ما في الإمكان.
كذلك يتضح لنا بعض أسرار الآية الكريمة: )سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون(.
لا بد لنا بعد هذا الاتساع من أن نعود فنضيق نطاق الموضوع ونبحث في الحب الإنساني وحده وفي بعض صفاته وأشكاله. ولذلك نعتمد تحليل أبي حامد الغزالي للمحبة في كتاب المحبة والشوق والإنس والرضا من سفره الواسع الكبير إحياء علوم الدين. فقد بيَّن أول الأمر أن المحبة مقترنة بالمعرفة والإدراك فلا يتصف جماد بالحب مثلًا. وتنقسم المدركات"إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه وإلى ما لا يؤثر منه بإيلام والذاذ. فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوبًا ولا مكروهًا. فإن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به. ومعنى كونه محبوبًا أن في الطبع ميلًا إليه ومعنى كونه مبغوضًا أن في الطبع نفرة عنه. فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقًا".
ثم يرى أبو حامد"أن الحب لما كان تابعًا للإدراك انقسم بحسب المدركات والحواس."
فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات، ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات. وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت محبوبات عند الطبع السليم. فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة المستلذة. ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة. ولذة الشم في الروائح الطيبة. ولذة الذوق في الطعوم. ولذة اللمس في اللين والنعومة"."