فهرس الكتاب
كان ابن البيطار شيخ الصيادلة وإمام النباتيين بدون منازع، تدل على ذلك تسميته في كتب التراجم بالنباتي والعشاب، وشهادة تلميذه ابن أبي أصيبعة بأنه"أوحد زمانه وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع نباته ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها" (82) . وقد أهلته هذه الدراية الفائقة ليكون ـ في مصر ـ رئيسًا على سائر العشابين وأصحاب البسطات. والذي يهمنا في هذا المجال خبرته بنباتات بلاد الشام ومعرفته الفائقة بها. فقد كان يقوم برحلات تعشيبية داخل بلاد الشام ـ في مختلف أنحائها ـ بحثًا عن النباتات في مظانها وتعرفًا على ماهياتها وخصائصها. وقد أشار ابن أبي أصيبعة إلى بعض من تلك الرحلات، وهي التي كان يقوم بها إلى ظاهر دمشق صحبة ابن أبي أصيبعة نفسه الذي قال عنه"ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه" (83) . وقد ظهر أثر تلك الرحلات التعشيبية في كتب ابن البيطار. فقد تحدث فيها عن كثير من النباتات الشامية، نذكر من ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ قوله في كتابه"الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"ـ وهو أجلّ كتاب عربي في المادة الطبية ـ عن النبات المسمى"بنتومة":"هذا نبات يعرف بهذا الاسم عند شجارينا ببلاد الأندلس، وتعرفه أيضًا بالرقعة الفارسية وبذرق الطير، وكذا يعرف بأرض الشام أيضًا، وخاصة ببلاد نابلس ما ولاها. وأما أهل الشويك من ارض الشام فإنهم يعرفونه بالعَنم" (84) ، وعن النبات المسمى"درونج":"كثير بجبل بيروت من أعمال الشام، ومنه شيء بكفر سلوان بجبل لبنان شمالي الضيعة، ويعرفونه بالعقيربة" (85) ، وعن بنات"العقاقر قرحا""وهذا الدواء المعروف بعود القرح الجبلي كثير بأرض الشام (...) ، وقد رأيته وجمعته بظاهر دمشق في رأس وادي بردى بموضع يعرف بباب السوق على يسرى الطريق وأنت طالب الزبداني" (86) ..