فهرس الكتاب
كأني وقد جاوزت تسعين حجة
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فما بال يُرمى وليس برام
فلو أنها نبلٌ إذن لا تقيتها ... ولكنما أرمى بغير سهام
إذا ما رآنى الناس قالوا ألم تكن ... حديثًا جديد البزّ غير كهام
على الراحتين مرة وعلى العصا ... أنوء ثلاثًا بعدهن قيامي
وأهلكني تأميل يوم وليلة ... وتأميل عام بعد ذاك وعام
نحن نعلم في حساب اللامتناهيات في الصغر كيف ينتهي حسابها التكاملي إلى نتائج ضخمة. وفي التعبير المحسوس قد تفضي قطرات المطر إلى تكوين سيول جارفة وهكذا إذا نظرنا إلى الدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين ينضم بعضها إلى بعض. وهكذا أيضًا ينتقل المرء من عمر إلى عمر بدون أن يشعر في الغالب بهذا الانتقال إلا إذا قطع مراحل معروفة ومتمايزة في تفاوت السن كالطفولة والصبا والشباب والكهولة والشيخوخة. وما أبدع تصوير الغزالي لتناقص عمر الإنسان كلما تزايد حين يقول: ... وطلوعها من حيث لا تمسي
"ومثال الإنسان في عمره مثال رجل كان يبيع الثلج في وقت الصيف، ولم يكن له بضاعة سواه فكان ينادي ويقول: ارحموا من رأس ماله يذوب فرأس الإنسان عمره الذي هو وقت طاعته وأنه ليذوب على الدوام فكلما زاد سنه نقص بقية عمره فزيادته نقصانه على التحقيق" (10) .
فإذا تجاوز المرء سن الكهولة إلى عتبة الشيخوخة لا يكاد يشعر بذلك إلا في الحين بعد الحين عندما يحس وهنًا في قوته أو يرى صورته في وجوه أترابه ولداته وقد تغضنت أساريرها وفي رؤوسهم وقد اشتعلت بالشيب أو عندما يتأمل شكله في المرآة فيدرك التغير الطارئ الذي لحق به.
لقد أشار إلى هذا التغير الخفي الذي ينسلّ إلى شخص الإنسان أعرابي في قصيدة تتداولها كتب الأدب يصور فيها طلوع الشمس وغروبها وانسياب الكبر إلى الإنسان بذلك الدوران الدائب فهو يتحدث عن الشمس قائلًا:
منع البقاء تقلب الشمس
وطلوعها على كبد السماء كما ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس