فهرس الكتاب
كذلك لابد هنا من المقايسة بعض الشيء بين الشعر الفارسي والشعر العربي فلكل مزايا خاصة. ولقد أتيح للشعراء الفرس أن يكتبوا كتبًا كاملة في الشعر على حين قلّت الكتب التي ألفت في موضوع واحد في الشعر العربي عدا ما عرفناه من نظم كتاب كليلة ودمنة شعرًا لبعض الشعراء العرب كابن الهبارية وغيره وكمعارضة هذا الكتاب شعر ًا مثل كتاب"الصادح والباغم"لابن الهبارية أيضًا وما نظمه بعض العلماء الشعراء أمثال علي بن موسى في موضوع علمي كصناعة الكيمياء في كتابه شذور الذهب وثمة كتب تعليمية نظمت شعرًا كألفية ابن مالك في النحو وكالشاطبية في القراءات وكجوهرة التوحيد في علم الكلام وأمثالها. ولكن هذه الكتب المنظومة شعرًا لا ترقى إلى مستوى الفن الرفيع وإن كانت مفيدة للحفظ وممتعة للتذكير على خلاف الكتب الشعرية الفارسية فإنها وإن طالت تبقى رفيعة الأسلوب شائقة البيان. وقد انتبه لذلك مؤلف كتاب"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، إذ قال في ختام كتابه هذا حين أورد بعض الفروق بين الكتابة الأدبية والشعر في اللغة العربية فذكر:"أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معانٍ مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه بل يجيد في جزء قليل، و الكثير من ذلك رديء غير مرضي. والكاتب لا يُؤتى من ذلك. بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة وهو مجيد في ذلك كله. وهذا لا نزاع فيه لأننا رأيناه وسمعناه وقلناه. وعلى هذا وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها فإن شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا وهو شرح قصص وأحوال ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بشاهنامة."