ج ـ قوة أثر هذا الامتزاج المؤتلف بين"حقائق الإسلام"، و"بصائره"، و"بيَّنات"هداه من جهة ـ مما أ طلق عليه القرآن الكريم كلمة"الحق"في مثل قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل( ـ وبين فطرة التكوين، من جهة أخرى، أقول: إنَّ قوة أثر هذا الامتزاج المؤتلف بينهما، تبدو فيما أطلق عليه القرآن الكريم"الفرقان"، النفسي بقوله تعالى: (إنّ تَتَّقوا الله يجعلْ لكم فرقانًا(، وهو في حقيقته"مَلَكةٌ"، مُدركةٌ مميزة تتأصل في الكيان المعنوي للإنسان، ثمرة للتعمق في إدراك تلك الحقائق، والإخلاص في الالتزام العقائدي بها، ليتأتى تنفيذها على الوجه الأكمل، ثم الحرص على أداء مقتضياتها، دون تحيُّل، أو تحرُّف أو انتقاص، بل امتثالًا طوعيًا لأمر الله تعالى، ولا معنى"للتقوى"في المفهوم القرآني الذي تؤصل هذا الفرقان النفسي، إلاَّ هذا، وأعني به تلك "الملكة المدركة المميزة المقتدرة التي تُمكِن صاحبَها من التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحكمة والهوى، بما يطابق"الفرقان"المنزَّل وحيًا، وتستوي هذه المَلَكةُ ظهيرًا للعقل الفطري الأول، فكانت تلك "الملكة"ثمرة جنيَّة لأسلوب القرآن الكريم في تنمية ملكات النفس الإنسانية، ومداركها، واستثمارها."
د ـ كون الإسلام خاتم الرسالات، يستلزم بالضرورة هذا الامتزاج والتطابق بين الفطرة وهذا الدين، تفسيرًا منطقيًا معقولًا لانقطاع الوحي.
هـ ـ سِرُّ ديمومة تأثير توجيهات القرآن الكريم، ونجاعة أساليبه في معالجة النفس الإنسانية واستمرارية صلاحية الإسلام ـ دينًا وتشريعًا ـ لكل زمان ومكان ـ سر ذلك، أن أصوله العامة، وفروعه المقطوع بها، قد ثبت أنها تتعلق بالمصالح الإنسانية، الثابتة التي تعتبر من مطالب الفطرة، وحاجتها الدائمة.