فهرس الكتاب
واليوم... هدأت العاصفة وأصبح مقبولًا عند الجميع أن ابن النفيس هو أول من وصف الدورة الدموية الرئوية، أو أنه على الأقل صاحب أقدم نص معروف يصف هذه الدورة. وقد يتبين في المستقبل أن ابن النفيس أخذ هذه المعارف عن طبيب أقدم منه لا نعرفه حتى يومنا هذا. لكن ابن النفيس سيظل حتى ذلك الوقت صاحب هذا السبق. وسوف يظل اسمه مقرونًا بالعملية الهامة في تاريخ الطب، وهي عملية نقد آراء الأقدمين وتصحيحها.
وبعد أن هدأت هذه العاصفة راح بعض مؤرخي الطب يبحثون عن جوانب جديدة في شخصية ابن النفيس. ولقد تبين لهم الكثير.
4 ـ شهرة ابن النفيس قبل كشف التطاوي:
لقد ترك ابن النفيس في تاريخ الطب العربي دويًا بدأ مع جيل تلامذته الذين درسوا عليه الطب في القاهرة (16) . ولم ينته إلا في القرن التاسع عشر حينما أنهى محمد عبد الحي تعليقًا على"موجز القانون"، بدأ والده محمد عبد الحليم بكتابته (17) . وقد تناول هذا التعليق كتاب (نفيس بن عوض الكرماني) ، الذي ظهر في القرن الخامس عشر والذي سماه مؤلفه (شرح موجز ابن النفيس) .
ولكن ابن النفيس لم يكن طبيبًا ناجحًا فحسب، وصل إلى مرتبة كبير الأطباء بمصر، والطبيب الخاص بالسلطان، بل كان أستاذًا (18) ، في الطب يتقن نظرياته ويجيد شرحها، كما يجيد تلخيصها. لقد كان ابن النفيس أحد أحسن شارحي أبقراط وحنين وابن سينا. وإلى جانب هذا كله كان أستاذًا في الفقه والمنطق (19) ، واعتبر أحد أبرز علماء الشريعة (20) ، كما امتدح أسلوبه في اللغة (21) .
لقد شرح ابن النفيس أربعة من كتب أبقراط الهامة: كتاب الفصول، وكتاب الأمراض الوافدة (ابيذيميا) ، وكتاب طبيعة الإنسان، وكتاب تقدمة المعرفة، كما شرح كتاب المسائل لحنين بن اسحق.
وفوق ذلك كله كان ابن النفيس أعظم تلامذة ابن سينا.