فهرس الكتاب
وقد جمع ابن عساكر مواد هذا القسم عن طريقين: الأول من طريق المؤرخين الذين سبقوه والذين لم تصلنا كتاباتهم، والثاني ما قام بإحصائه وتسجيله بنفسه وهو المساجد والحمامات والقني.
فقد قسم المدينة إلى قسمين: شمالي وجنوبي، نسبة للشارع المستقيم (سوق مدحت باشا حاليًا) ، وبدأ من باب الجابية في الغرب لإحصاء ما يوجد من مساجد وقني وحمامات في القسم الجنوبي، ومن الباب الشرقي بالنسبة للقسم الشمالي. وأحصى 242 مسجدًا و129 قناة، و40 حمامًا، وهذا غير المنشآت التي أحصاها خارج السور، والتي بلغت 178 مسجدًا و19 قناة، و17 حمامًا (21) .
وهكذا فإن الميزة الأولى لعمل ابن عساكر أنه أول من وضع ثبتًا أو عمل جردًا للمساجد والحمامات والقني بدمشق. وبفضل الأسماء المذكورة في غالب الأحيان لمؤسسي الأبنية التي ذكرها نستطيع أن نحدد تواريخها، وأن نضع فهرسًا زمنيًا لها متتبعين التاريخ العمراني لدمشق لغاية عهد ابن عساكر (22) . وأما بالنسبة لتحديد مواقع هذه الأبنية، فإن طريقة ابن عساكر في تحديدها كانت بنسبها إلى الحارات والدروب والبيوت المشهورة، وأغلب هذه التحديدات والإشارات لا تعني لنا شيئًا في وقتنا الحاضر بعد أن تغيرت الأسماء وتبدلت. ولابن عساكر عذره في ذلك، فهو لم يكن يملك خريطة كالتي تستعمل في زمننا لتحديد مواقع الأبنية (23) .
ومع ذلك، فإن الباحث الفرنسي نيكيتا اليسيف تمكن بواسطة هذه التحديدات والإشارات من وضع خريطة لدمشق في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، مسقطًا عليها الأماكن التي ذكرها ابن عساكر. وذلك بالاستناد إلى الأبنية والأطلال الباقية إن وجدت، وبالاستعانة بالأوابد المجاورة بالنسبة لتلك التي لم يبق لها أثر، وبالاستفادة من المصادر التاريخية التي تناولت وحددت الأوابد بدمشق بعد ابن عساكر. والجمع بين النصوص والشواهد الأثرية في بعض الأحيان لتحديد موقع الأبنية.