فهرس الكتاب

الصفحة 5971 من 23694

إن هذه الخاصية في المثلث القائم الزاوية وهي التي يطلق عليها نظرية فيثاغورس تصور إلى مدى بعيد معقولية الرياضيات وجمالها. ولم يكن فيثاغورس هو أول من اهتدى إليها كما سلف آنفًا. ومن المعلوم أن العرب في باكورة حضارتهم قد اطلعوا على هذه النظرية على طريق كتب أقليدس وحلوا بالاعتماد عليها مسائل كثيرة وطوروا البرهان عليها تطويرًا ملائمًا هو الذي يدرّس الآن في المدارس الثانوية. ومهما يكن من أمر هذه النظرية في تاريخ العلوم فإن فلسفة العلوم تنوّه بها تنويهًا. إن المثلث القائم الزاوية في الشكل السابق يحمل على ضلعيه مربعين وعلى وتره مربعًا يساوي مجموعهما. فالشكل بالجملة يعطي ضربًا من الشعور بالتوازن والتكافؤ عميقًا ومعقولًا. وكأنما ينضاف إلى حكم الحقيقة، الذي يفيد أن مربع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمتين، قيمة نشعر بها شعورًا بالتوازن غامضًا. ولكن هذا الشعور إذا عالجناه بالتدقيق والتحليل انتهينا إلى أن الحقيقة الكبرى في الأفكار لا ترتبط بالملاحظات الأولى التي نلاحظها على شكل خاص وتدرك جملة إدراكًا مباشرًا، وإنما تقوم على العكس بجانب الشمول المتحصل في ثنايا حدس مهيأ ومروّى فيه. ولسنا هنا نقف تلقاء برهان مصنوع على شكل بسيط معين، بل نحاول أن نتجاوزه إلى ما وراء الأشكال البسيطة، وأن ننفذ إلى معقولية البرهان في ذاته، ونسعى أن نتلمس"السبب الرياضي"الذي يكمن ويثوي فيه على الطراز الذي كان أفلاطون وأتباعه تقريبًا يتكلمون فيه على المثل السرمدية القائمة في العالم المعقول. ومتى بلغنا إلى هذا السبب الرياضي أو المثال المعقول أدركنا خصب هذا السبب وثراء ذلك المثال وعرفنا أن دعوى فيثاغورس ليست إلا حالة خاصة بين عدد لا يتناهى من الحالات، وأن تلك الدعوى لا تأخذ حقًا قيمتها إلا عند انضوائها في قانون عامل شامل. وهنا تكمن أصالة فكرة الرياضي الفرنسي بوليغان الحديث الذي رجع البرهان إلى منبعه الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت