فهرس الكتاب
الانفصال في المادة عُرِف في كلا المذهبين نيايا وفايششيكا عند براهمة الهند القدماء. ولقد نوه لوقيبوس وديمقريطس ثم أبيقورس عند اليونان بأن المادة تتألف في النهاية من أجزاء لا تتجزأ. ولكن المعلم الأول أرسطو اعتمد الاتصال والانقسام اللامتناهي. وقد ضحك زينون الايلي من فكرة الاتصال حين صوّر الخُلْف في فكرة الحركة المتصلة فمثل أخيلوس ذا القدمين الخفيفتين يلحق بسلحفاة. فلو كان الطريق متصلًا أي مؤلفًا مما لا نهاية له من الأجزاء لكان أخيلوس كلما قطع نصف المسافة بينه وبين السلحفاة مثلًا ووصل إلى النقطة التي كانت بها السلحفاة لزم أن تكون السلحفاة قد قطعت مسافة ما. وهكذا لا يمكن له أن يلحق بها منطقيًا مع أن الواقع بلوغه مكانها. ولما جاء المفكر الروماني القديم لوقريطس انضم إلى أبيقورس في تنويهه بانفصال المادة.
وثارت هذه القضية في التراث الإسلامي. فالاعتقاد بوجود الجزء الذي لا يتجزأ مذهب فريق واسع من المسلمين وهم غالبية المعتزلة وجمهور المتكلمين. وربما كانت آراؤهم بادئ بدء صادرة عن دوافع دينية. ذلك أن أبا الحسن الأشعري أخذ هذه النظرية عن سابقيه من المعتزلة واعتمدها في دعم اتجاهه الديني إذ حصر التناهي في المخلوقات والأشياء المحدثة وترك اللاتناهي لله. لقد ورد في القرآن الكريم: ]وكل شيء أحصيناه في إمام مبين [ وورد فيه أيضًا: ] وأحصى كل شيء عددًا[ ولا يتم هذا الإحصاء إلا بما له نهاية. وعاود الفكرة تلميذه القاضي أبو بكر الباقلاني وأتباعهما من المتكلمين.