فهرس الكتاب
في الفيزياء الاتباعية التي منها نظرية النسبية يمكن تصور قيم للمكان وللسرعة وللزمان وللطاقة تتوالى بشكل متصل بين حدين مناسبين. أما الفيزياء الحديثة الكوانتية فإن التجربة لا تخوّل إلا تصور قيم ومقادير منفصلة. فالكهرب (الالكترون) الذي يدور حول النواة لا يسلك إلا مدارات مسماة ذات مستويات من الطاقة محددة ومنفصلة بالمعنى الرياضي للانفصال. فالمكان بهذا الاعتبار غير متجانس بالنسبة إلى الكهرب. ثم إن تعيين موقع الكهرب في المكان وقياس سرعته يخضعان لعلائق الارتياب التي كان من أهم نتائجها القول بمبدأ اللاحتمية. كل ما في الأمر هو الحصول على توقع احصائي. وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في كتابينا"الفيزياء الحديثة والفلسفة"و"تقدم العلم".
وكذلك الأمر حين نتأمل نظرية الكوانتا فكرة الزمان. ولعل من المناسب أن نضرب مثلًا على ما هو حاصل في هذا الميدان. نستعمل ساعة من نوع خاص، من نوع مشع، يستند قياسها للزمن إلى الإشعاع المنتظم في المادة المشعة. ولما كانت المادة مشعة فإن ذراتها يتقوض مقدار منها شيئًا فشيئًا حتى يصل عدد الذرات إلى نصف ما كان في زمن الصفر أي في الزمن الذي بدأنا فيه تجربتنا.
هذه المدة التي تقوض في أثنائها نصف عدد الذرات تدعى العمر الوسيط للمادة المشعة. وهنالك علاقة رياضية أسية تربط عدد الذرات بالزمن وهي تساعد على وضع مقياس زمني تفيد التجربة أنه ينطبق على الزمن المتعارف في الميكانيك الاتباعية وذلك في مستوى حياتنا العادية. لكن إذا هبطنا من هذا المستوى إلى مستوى الفيزياء الكوانتية الدقيقة وأخذنا من الذرات عددًا قليلًا وليكن مائة وليكن أيضًا العمر الوسيط للذرات هذه ساعة زمنية واحدة ثم انتظرنا مدة ساعة واحدة لم نجد 50 ذرة باقية وإنما نجد اضطرابًا متى أعدنا التجربة مرة تلو المرة. نجد 47 ذرة باقية أو 55 أو 52 أو 46 فإذا جمعنا هذه الأرقام وأخذنا متوسطها حصلنا على 50.