وإن سوء الحظ هذا، كان من شأن الكاتب الكبير أبي حيان التوحيدي، إذ وجد زمن الوزيرين ابن عباد والصاحب بن عباد، وهما كاتبان كبيران لهما طريقة خاصة في زمنهما فتنت الناس واستحوذت على إعجابهم، بالإضافة إلى أنهما وزيران كبيران والسلطة في أيديهما والمتزلفون كثيرون في كل عصر.
جاء أبو حيان يبغي التكسب من الوزيرين وهو أجلُّ منهما قدرًا في فن الكتابة والتأليف، ولكنهما تنكرا له حسدًا وحقدًا وعهدا إليه بوظيفة ناسخ، وكانا يقتران عليه سبل العيش حتى ضاق بهما ذرعًا، واستعفى من الوظيفة، وعاد إلى بغداد خائبًا، صفر اليدين.
لم يرزق أبو حيان على جلالة قدره الحظ، فكسدت كتبه وهي تشهد له بالتفوق ورسوخ القدم بالمعرفة مما دعاه إلى جمعها وإعمال النار بها، حتى لا ينتفع أحد بها من بعده.
ولم يصل لنا من كتبه العديدة إلا نتف قليلة منها: كتاب المقابسات، وكتاب مثالب الوزيرين وكتاب الامتاع والمؤانسة، وهي كتب جليلة تشهد له بجلالة القدر في الكتابة.
وما حل من سوء الطالع بالإمام الأوزاعي وأبي حيان التوحيدي، أصاب رشاشه وصيبه العالم المؤرخ شمس الدين سامي فراشري (الألباني) ، الكاتب الكبير، والحجة اللغوي.