فهرس الكتاب
إلا أن الحروف التصويرية في البداية، وحتى الحروف المسمارية لاحقًا، لم تنشأ ولم تتطور بدافع الرغبة في أن تكتب بها القصائد والحكايات أو النصوص العلمية ـ التعليمية. فقد طور السومريون الحروف لدواع عملية، أي لكي يسجلوا بها الاتفاقيات التجارية والمعاهدات مع الدول الأخرى، أو لكي يدونوا بها البضائع والمواشي التي يدين بها الأفراد للمعابد أو للمسؤولين المحليين الخ. وحتى في القرون اللاحقة، أي خلال ازدهار الإمبراطوريتين البابلية والآشورية وبقية الدول في الشرق الأوسط، فإن الحروف كانت في الدرجة الأولى تستعمل لغايات منفعية. فمن كل النصوص التي تم العثور عليها حتى الآن، سواء أكانت مدونة على الألواح الطينية أو الأحجار أو على بقية المواد الأخرى التي كانت تستعمل للكتابة، نجد أن 95% من هذه النصوص تتعلق بأمور التجارة والإدارة وشؤون الدولة. وهكذا فإن هذه النصوص لها أهمية لا تقدر بثمن بالنسبة للتاريخ السياسي والإداري للإنسانية، ولكن فيما يتعلق بالتاريخ الحضاري فإن النصوص الأخرى التي تتضمن الأدب والقوانين والميتولوجيا والفلك والبيطرة والتاريخ الخ. تعتبر ذات أهمية أكبر. إن القراءة المتأنية لتلك الألواح. التي غالبًا ما تكون مفتَّتة ومشوهة، قد قادت بالفعل إلى معارف مثيرة. فقد كشفت هذه الألواح أن السومريين كان لهم أدب غني ومتطور وكانوا يعرفون أسس الكثير من المعارف الطبيعية، بالإضافة إلىأنهم كانوا يتمتعون بميتولوجيا غنية جدًا. وفي هذه الميتولوجيا يمكن أن نرى الكثير من الموتيفات التي استحوذت عليها لاحقًا كل الشعوب في الشرق الأوسط، والتي عايشت كل التغيرات التاريخية لتصل إلى وقتنا هذا.