فهرس الكتاب
ويميل بعض الباحثين إلى تأييد الرأي القائل بأن الكنعانيين هم بالأصل من السكان المحليين في سورية تطورت أجيالهم فيها عبر العصور. ومن جهة أخرى فإنه من الصعب البت بالأصل اللغوي لكلمة (كِنّاخو) التي نقرأها في نصوص نوزي، وهي كلمة تدل على الصباغ الأرجواني، ولذا قربت الكلمة من كلمة (فينيقي) ووجد أن للكلمتين (كنعان) و (فينيقية) ، معنى واحدًا وهو بلاد الأرجوان. واقترح كذلك تفسير آخر لكلمة كنعان هو في بلاد التجار، فقد وصف الكنعاني بالتاجر في العهد القديم، لكننا لا نجد لكلمة كنعان أي أصل في اللغات المشرقية (السامية) القديمة، إلا أننا نجد في العربية الجذر (كنع) بمعنى الانحناء، وربما يتصل هذا المعنى بانحناء مسار الشمس وغروبها فيكون معنى كنعان بلاد الغرب بالقياس إلى بلاد الرافدين، كما أضحى فيما بعد اسم أمُّورو دالًا على الغرب وبلاد الغرب. فأمام هذا التشتت في الآراء وتعددها أليس من الأفضل الانصراف، كما كنا قد دعونا سابقًا، إلى دراسة الحضارة نفسها بمؤسساتها ونظمها وتاريخها وعلاقاتها وآثارها؟
أما الحضارة الكنعانية:
لقد أنشأ الكنعانيون حضارة الساحل السوري كله، وفي فلسطين التي وصفت أسفار التوراة حياتهم فيها قبل دخول العبريين أقاموا قواعد وأسس حضارة غنية ومفتوحة على العلاقات مع الشعوب والحضارات المجاورة. زرعوا الأرض مسلحين بخبرة قرون عديدة ترقى إلى العصر الحجري الحديث، وعالجوا قلة المحصول بالتبادل والتجارة، حتى أصبحت الطرائق التي اعتمدوها فيهما من تقاليد البلاد وتراثها الموروث.
عرفوا أنظمة اقتصادية- اجتماعية- سياسية بلغت درجات مختلفة من التشابك والتعقيد بتنامي الحياة المدنية في عشرات المدن التي بنيت وأحيطت بالأسوار: أريحا ومجدو ويبوس أوريشلْم وعَيْ وغيرها. وشيدت فيها المعابد والدور والقصور التي برع في هندستها المهندسون وزينها بأعمالهم فنانون مبدعون.