فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 33 - السنة التاسعة - تشرين الأول"اكتوبر"1988 - صفر 1409
فهرس العدد
أضواء على أوغاريت والكنعانيين من خلال مكتشفات رأس ابن هاني ـــ د.عدنان البني
ليس التنقيب الأثري ترفًا علميًا ولا هواية للترويح عن النفس. وليس هو، كما يزعم البعض، نبش تراب ونقل حجارة. إن التنقيب الأثري الحديث، المجرد عن هوس الكنوز وتأويل الرموز، هو قبل كل شيء عملية حضارية منهجية بالغة الأهمية، همها الأساسي بناء التاريخ وترميم أحداثه وجلاء فعالية الإنسان والجماهير، عبر التاريخ، في خلق التركيبة الحضارية التي وصلتنا ناضجة دانية القطوف.
إن هذه التركيبة العظيمة التعقيد الكثيرة الوجوه هي موروثة ومورِّثة، ومهمة الآثاري، المنقب أن يفكك عناصرها ويضعها في موضعها الصحيح من الزمان والمكان. وبقدر ما هي مهمة الآثاري المنقب إنسانية كونية بقدر ما هي قومية ووطنية. فمن جلاء الأحداث والمكونات يعرف الآثاري عملية الأخذ والعطاء بين الأمم والشعوب. ويعرف بالتالي نصيب أمته ووطنه في تكوين الحضارة، ويعرف المدَّخرات الوفيرة التي تركها السلف في صرح البنية الحضارية الشاملة.
إننا ننبش الأرض ونثير الغبار حقًا ونُعفَّر به. ولكن لهدف جليل وأمر نبيل ويسعد الآثاري بأن يكون أول من يرى وأول من يسمع أحاديث الأرض الحميمة...
ومنذ قرابة خمسة عشر عامًا نتحادث مع الأرض الطيبة في رأس ابن هاني الجميل، وقد ملأنا من ذلك الحديث حتى الآن صفحات وصفحات بلغة أثرية أكثر الأحيان، وفات البعض أن يصغي. وأصغى البعض الآخر فاستغلق الحديث عليه. ونحن نود هنا أن نحاول، أقول نحاول، أن نلقي أضواء جديدة على عطاء رأس ابن هاني في جلاء التاريخ الأوغاريتي خاصة والكنعاني عامة وما وراء هذا وذاك أحيانًا.