فهرس الكتاب

الصفحة 8490 من 23694

إن الأجابة ستقتضي منا، بالتأكيد، تفسير الظاهرة عن طريق معرفة مسبباتها. والظاهرة، هنا، أبو العبر أو صرعة الحماقة في ذلك العهد. فهناك، بالطبع، مسببات موضوعية هي الوضع القائم آنذاك، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، أي الخلل الذي طرأ على جوانب من البنية الاجتماعية والرسمية التي كانت تحيط المدّاحين والمهرجين والحمقى بأسباب النعمة والرخاء بينما تحجبها عن غيرهم. أما المسببات الذاتية، فهي الاستعداد النفسي لأبي العبر وميله للدعابة والسخرية ومخالفة ما هو سائد وعادي، إضافة إلى الوضع الشاذ لأسرته، التي تربطها، من جانب، علاقة القربى بالخليفة والبيت الحاكم، وتعيش، من جانب آخر، وضعًا معيشيًا يدفعها إلى استجداء المال من القاضي، كما فعل أبوه وأخوه الصغير، وربما هو أيضًا، في مثل هذا الجو، الذي يمكن أن يقال فيه: شر البلية ما يضحك نشأ أبو العبر وعانى حتى هزلت لديه الحياة، فداواها بالتي كانت هي الداء!.

مع هذا كله، فإن أبا العبر كان أديبًا فهمًا وعالمًا خبيرًا بالنفس الإنسانية والحياة ومجاهل الشعر، لا يستعصي عليه حل مسألة بينما يحدث ذلك لمن أرادوا الاستهزاء به وله مؤلفات مثل (19) (كتاب جامع الحماقات وحاوي الرقاعات) ، (كتاب المنادمة وأخلاق الرؤساء) وغيرهما. وقال جحظة (20) عنه:"لم أر قط أحفظ منه لكل عين ولا أجود شعرًا، ولم يكن في الدنيا صناعة إلا ويعملها بيده حتى لقد رأيته يعجن ويخبز".

إلا أنه أضر بنفسه بتحامقه، وجلب المنية إليه بإظهاره لمعاداته الطالبيين، التي كانت، مع ذلك، سياسة الخليفة المتوكل وسلطته الحاكمة آنذاك.

فقد كانت نهايته، كما تذكر الروايات المختلفة (21) في تفصيلاتها على يد أحد الشيعة في الكوفة بعد أن سمعه"يقول في علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قولًا قبيحًا استحل به دمه فقتله في بعض الآجام وغرّقه فيها".

شعره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت