فهرس الكتاب

الصفحة 8513 من 23694

إن هذه اللقمة من فم الكلب تحولت بكيمياء الفن إلى حلية ذهبية ساحرة حين تناولها ترجمان الأسرار واستهل بها غزليته الفاخرة الملمعة. وهذا شأن الصوفية يأخذون كل ما يجدونه في عالم الواقع ويقلبون معدنه الخسيس إلى معدن شريف؟ أولسنا نذكر كيف كان ينادي البقال: يا سعتر بري فقلبه الصوفي إلى اسعَ تَرَ برّي. وشاعت تلك الغزلية بذلك الاستهلال العربي البسيط القوي الإيقاع عند جميع من شدا شيئًا من اللغة الفارسية والتركية والعربية والأوردية وغيرها. أذكر مصادفتي لكاتب تركي حديث في استانبول منذ ثلاث سنين لا يعرف العربية، فما أن رأيته حتى ابتدرني بهذا الاستهلال وهو يعرف أني عربي. وكذلك شاعت هذه الغزلية في طاجكستان وأفغانستان وغيرهما من البلدان. ولقد هزني إيقاع هذا البيت لما سمعته في أرض غير عربية وبقي يعتمل في نفسي حتى هذه المناسبة في إحياء ذكرى حافظ. فدفعني هذا الإيقاع اليوم إلى أن أجاري مؤلف الغزلية الرائعة بروحه وأفكاره لعلي أجلو صورًا من براعته وأغراضه لا تبدو على حقيقتها في الترجمات العربية. وقد خرجت عن شروط الغزل الفارسي فتجاوزت عدد الأبيات التي ينبغي أن تراوح عادة بين الثمانية والخمسة والعشرين. ولعل روح حافظ الفنية التي ترفرف بيننا الآن ترضى عن هذه الصناعة:

"ألا يا أيها الساقي"

وأغرق مشكلات العيش ... في الصهبا وأبطلها

إذا ضاقت بك الدنيا ... بورد الكأس جَمِّلها

ودعني أنا والحسنا ... مع الصهبا أغازلها

وإن ناءت بك الأوزا ... ر للرحمن أوكلها

فؤادك بالهوى مُضْنى ... وروحك بالطلا وَلْهى

ويا ربي على الفقرا ... ء سحب العفو أسبلها

ملأت قلوبهم عشقًا ... حيارى في الهوى بُلْها

دجا الدهر ومازلنا ... على فلْك الهوى نسري

ونحمل راية العشا ... ق من عصر إلى عصر

ومن قطب إلى قطب ... ومن قطر إلى قطر

دعاة الحب في الدنيا ... وفي الأخرى وفي الحشر

سكارى منذ أن كنا ... بلا كأس ولا خمر

أتتنا نشوة الصهبا ... ء قبل القطف والعصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت