وقد تحققت لهم من ذلك كله تجربة فذة في علم النبات جعلت منهم السباقين إلى الاهتمام بعلم النبات المحض. ذلك أن غيرهم من الأمم قد اهتموا بعلم النبات ضمن اهتمامهم بعلوم ومباحث أخرى. ونذكر من تلك الأمم خاصة اليونانيين والرومان، وأهم علماء النبات عند اليونان اثنان: هما تيوفراسطس (Theophrastos..) وديوسقوريدس (Dioscorides) . وقد اهتم الأول بالنبات ضمن اهتمامه بالفلسفة واهتم به الثاني ضمن اهتمامه بالطب والصيدلة. وأهم علماء النبات عند الرومان اثنان أيضًا: هما بلينوس (Plineius) . وابليوس المادوري (Apuleius) ، وقد اهتم به الأول ضمن اهتمامه بعلوم الطبيعة عامة اهتم به الثاني ضمن اهتمامه بالطب والصيدلة. والحقيقة أن العرب أيضًا لم يعنوا طوال مدة لا يستهان بها من تجربتهم العلمية ـ بالنبات لذاته، بل اهتموا به ضمن مباحثهم في اللغة في البداية ثم ضمن مباحثهم في الطب والصيدلة. إلا أنهم ـ في القرنين السادس والسابع للهجرة خاصة ـ قد جعلوا منه علمًا مخصوصًا لذاته وعنوا به عناية خاصة فقاموا بالرحلة من أجله بحثًا عن أعيانه في مظانها داخل البلاد العربية الإسلامية وخارجها، وتدقيق البحث في أنواعه وأجناسه على اختلافها، حتى تهيأ لهم من معرفته مالم يتهيأ لغيرهم من الأمم السابقة، وذلك ما جعل من تجربتهم في علم النبات تجربة فذة تتنزل منزلة متميزة في التراث العلمي الإنساني.
وسنحاول في هذا البحث أن نستجلي بعض أوجه تلك التجربة بالحديث عن أربع مراحل من اهتمامهم بعلم النبات: أولاها مرحلة التدوين اللغوي وثانيتها مرحلة النقل والترجمة التي مكنتهم من الاطلاع على مباحث اليونان في علم النبات، وثالثتها مرحلة الاهتمام الطبي والصيدلي بالنبات ورابعتها مرحلة الملاحظة العلمية المحض (1) .
1 ـ مرحلة التدوين اللغوي: