أعظم شاهد لجليل قدْرها وأقوى دليل على رفعة شأنها أن الله تعالى نسب تعليمها إلى نفسه، واعتدَّه من وافر كرمه وإفضاله فقال في سورة العلق/4: ?إقْرأ وربُّكَ الأكْرَمْ الَّذي عَلَّمَ بالْقَلَمْ عَلَّمَ الإنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَمْ?. مع ما يروى أن هذه الآية والتي قبلها مفتتح الوحي في قول معظم المفسرين، وأول التنزيل على أشرف نبيّ وأكرم مرسل (?) ، وفيه دعوة إلى القراءة والكتابة والعلم. روى سعيد عن قتادة قال:"القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش، فدلَّ على كمال كرمه سبحانه بأنه علَّم عباده مالم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو". (2) . وفي ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة شأوها مالا خفاء فيه. ولذلك نقل صاحب البيان والتبيين:"القلم أحد اللسانين، كما قالوا: القلم أبقى أثرًا واللسان أكثرُ هذرًا". (3) .
وقد بيَّن الله شرفها بأن وصف بها الحَفَظة الكرام من ملائكته فقال جلَّتْ قدرته في سورة الانفطار/5: ?وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كاتِبِين?. ولا أعلى رتبةً وأبذخ شرفًا مما وصف الله تعالى به ملائكته ونعت به حَفَظَتَه، ثم زاد ذلك تأكيدًا بأن أقسم بالقلم الذي هو آلة الكتابة وما يُسطَّرْ به فقال تقدَّست أسماؤه في سورة القلم/1: ?ن. والقَلَمِ وما يَسْطُرُون. وما أنْتِ بِنعْمَةِ ربِّكَ بِمَجْنُون?. والإقسام لا يقع منه سبحانه إلا بشريف ما أبدع، وكريم ما اخترع: كالشمس والقمر والنجوم ونحوها، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرفها ورفعة قدرها. قال سعيد ابن العاص:"من لم يكتب فيمينه يُسْرى"، وقال معن بن زائدة:"إذا لم تكتب اليد فهي رِجْل". وبالغ مكحول فقال:"لا دِيَّة ليدلا تكتب...". وقال ابن المقفع:"الملوك أحوج إلى الكتّاب من الكتَّاب إلى الملوك" (4) .