أقول قد خلا فصلنا فعلًا مما ذُكِرَ لأمر راعيناه بالتدبر، ذلك أن بحثنا قد تناول جمع المصدر مفردًا، لا جزءًا من تركيب، كما هو حال المصدر إذا وصف به، فالوصف بالمصدر باب قائم برأسه، لابد في معالجته من إحصاء مسائله واستقراء دقائقه، خلافًا لما يوهمه ظاهر النص الذي أتى به الأستاذ المصري. وقد مرَّ به الأئمة على عجل حينًا لكنهم بسطوا القول فيه بمباحث جزيلة مشبعة الفصول حينًا آخر، وتباينت وجهاتهم في جواز جمع المصادر إذا وصف بها. وممن جاء بتفصيل الكلام فيه الإمام المرتضى في أماليه (1/ 105) ، وابن جني في خصائصه (2/ 202 ـ 208) ، والبغدادي على شرح بانت سعاد (1/ 367: الاختلاف في جواز جمع المصادر إن وصف بها) ، فضلًا عما جاء في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1971.
وبعد فقد صحَّ بما قدمناه أن لكل باحث أن يفصح عما بدا له من القول في مباحث الآخرين، على أن يكون طويل النَفَس حسن التثبت فيما يتخذ من رأي. ونحن نشكر للأستاذ المصري، على كل حال، مسعاه هذا، فقد حملنا بتعقيبه على جلاء جوانب من البحث اللغوي، ولو لم تتصل بموضوعنا الأول في كل حين، ونود أن ننبه على أن الاستكثار من نصوص الأئمة لا يجدي فتيلًا، مالم نعمد فيه إلى معارضة النص بالنص، وبسط الموجز من هذه النصوص وحل مشكلها والكشف عن أغراضها ومقاصدها. وعلينا ألا نكتفي بعد ذلك بحفظ ما أثر عن النحَّاة لنشير برأي أسلافنا ونتكلم بكلامهم في كل حين، فإنه لابد من إنعام النظر فيما انتهوا إليه من حكم، وتصريف الفكر فيما استنّوا من قياس، فلا يكون إقبالنا على التراث إقبال محاكاة واحتذاء، بل إقبال معالجة واصطفاء، وبهذا وحده يمكن أن ننهج في تأسيس معاصرة لغوية على أسس قويمة من الأصالة ودعائم محكمة من التراث، والله من وراء القصد.