انتقال الأغاني الشعبية من العراق إلى سورية على هذا الشريط الحيوي مستمر منذ القديم، وبالرغم من وجود كيانات سياسية متعددة ومجموعات حضارية مستقلة فإن الألحان والأشعار الشعبية الغنائية كانت في حركة متصلة توحد بين شعوب هذه المنطقة وتربط بين ماضيها وحاضرها، وكانت هي المعبر عن القيم الروحية والجمالية لها وعن مواقفها المشتركة من الحياة والناس والأحداث التاريخية، وما تزال إلى الآن بعض هذه الأغاني تحمل في كلماتها رموزًا غامضة تعود إلى عهود موغلة في القدم، وبعض الألحان تبدو متناسخة عن تراتيل قديمة.
شعر الفراتين الغنائي تنوع وثراء:
على الرغم من أن البحث في الأدب الشعبي حديث العهد إلا أن شعر الفراتين الغنائي كان أوفر حظًا، ولقي من الدارسين الاهتمام المبكر جمعًا وتوثيقًا ودراسة، وظهرت فيه عدة مؤلفات تشكل للباحث مصادر أولية يكملها البحث الميداني والتاريخي، كما أن عبور هذه الأشعار والألحان وحركتها على امتدادي المكان والزمان وما يصيبها من تناسخ وتطور وتغير يجعل من الدراسات المقارنة أمرًا ضروريًا.
هذه الأشعار الغنائية كانت تخضع في شكلها اللغوي واللحني وفي مضمونها من حيث البناء الأولي والتطور، للبيئات التي نشأت فيها أو التي هاجرت إليها. إن أداء النوع الواحد منها يختلف من قبيلة لأخرى ومن منطقة لأخرى، وعندما تنتقل أغنية مثل الشوملي إلى مراكز الحضارة المدنية الواقعة بين الفرات والساحل كحلب وحمص ودمشق فإنها كانت تخضع إلى مؤثرات بيئية تكون وراء ما يعتورها من تغيير في اللهجة واللفظ واللحن لتكون مناسبة للأذواق والمناخات الجديدة.