الدراسة التاريخية المقارنة تشير إلى أن بعض هذه الأغاني انحدر من عهود وحضارات قديمة شهدتها المنطقة، فعندما يتعرض الدارس إلى أغاني الميمر الفراتية الحالية لا بد أن يشير إلى ميامر مار أفرام الشاعر السرياني الكبير، ولفظة ميمر في الأصل سريانية، وعندما نتحدث عن أغنية سكابا يا دموع العين، هذه الأغنية الأكثر شيوعًا في العراق والشام ومصر التي يغلب عليها طابع الحزن وصور الموت والنداء من أعماق العالم السفلي، لا بد أن نشير إلى ترتيلة كنسية سريانية قديمة بذات اللحن والجو المأساوي، ومن يدري فربما تعود هذه الأغنية إلى عهود أبعد موغلة في القدم، فلعلها بقايا من طقوس الحزن الدينية على الإله الميت دوموزي السومري وتجسداته فيما بعد: بعل وحدد وأدونيس وأوزوريس، لأن هجرة الأسطورة وانتقالها من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان وما يعتريها من إضافة وحذف وتغيير لم يكن مقتصرًا على القصة فحسب وإنما كان يشمل أيضًا التراتيل الغنائية المصاحبة لها والتي كان بوساطتها يروى الحدث. مهما يكن فإن هذا الأمر يحتاج إلى المزيد من البحث المقارن والتمحيص، وإلى أن تتضافر من أجله جهود ذات اختصاصات متعددة لا تقتصر على البحث الفلولكلوري وإنما تستعين بالدراسات الأركيولوجية، والأنثربولوجية ربما يمكن أن يلقي ضوءًا في هذا الطريق.
تتصف أغاني الفراتين بالتنوع والثراء، ومن الصعب الاتفاق على عدد هذه الأنواع الشعرية الشعبية الغنائية فهناك أنواع تصنف على أنها مستقلة وهي في الحقيقة مجرد ألوان من أنواع رئيسية، كما أنه لم يتم حصر نهائي لها وذلك يستدعي مسحًا جغرافيًا لها ودراسات ميدانية واسعة، وسنحاول التعريف بأهم هذه الأنواع وأكثرها انتشارًا، ثم نأتي على ذكر الأنواع المنتشرة في البادية.
1-الأبوذِيَّة: