فهرس الكتاب

الصفحة 10085 من 23694

ومما يتصل بهذا عند ناقدي العرب قول ابن طباطبا:"إن كل حاسة من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها مما طبعت له، إذا كان وروده عليها ورودًا لطيفًا باعتدال لا جور فيه، وبموافقة لا مضادة معها؛ فالعين تألف المرأى الحسن وتقذى بالمرأى القبيح الكريه، والأنف يقبل المشم الطيب ويتأذى بالمنتن الخبيث، والفم يلتذ بالمذاق الحلو، ويمج البشع المر، والأذن تتشوف للصوت الخفيض الساكن، وتتأذى بالجهير الهائل، واليد تنعم بالملمس اللين الناعم وتتأذى بالخشن المؤذي.. وعله كل حسن مقبول الاعتدال، كما أن عله كل قبيح منفي الاضطراب (25) ".

على أن ثمة رأيًا آخر نحسب أن أجدادنا تنبهوا إليه منذ وقت مبكر، وهو أن الصوت في الكلام هو صوت النفس وجرسها، وأن ما صدر من الكلام عن النفس مباشرة دون تدخل من العقل في الاختيار والاصطفاء كان أكثر جمالًا وروعة ورواء، وحظي من البلاغة على أوفر نصيب. يذكر أنه قيل لأعرابي:"ما هذه البلاغة فيكم- فقال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا". فما جيشان الصدر هذا إلا صوت النفس الذي يقذف بسرعة على اللسان، فتكون البلاغة. ولم يبتعد المرحوم مصطفى صادق الرافعي عن هذا حين قال:"وليس بخفي أن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدًَّا أو غُنّة أو لينًا أو شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها، ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع، أو الإطناب والبسط، بمقدار ما يكسبه من الحدة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها، مما هو بلاغة الصوت في الموسيقى (26) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت