فهرس الكتاب

الصفحة 10084 من 23694

والحق أننا لو شئنا أن نضع أساسًا لجودة اللفظ عند ضياء الدين لما وجدنا شيئًا آخر غير أن تكون أصوات حروفه مما"يستلذه السمع"؛ فما استلذه السمع من هذه الأصوات التي تصدر عن مخارج الحروف هو الحسن الجميل، وما استقبحه وأنكره هو القبيح المردود. يقول في هذا الشأن:"لكن لا بد أن نذكر ههنا تفصيلًا لما أجملناه هناك؛ لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ لأنها مركبة من مخارج الحروف، فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح. وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيئات التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذًا في السمع كان حسنًا، وإذا كان حسنًا دخلت تلك الخصائص والهيئات في ضمن حسنه (24) ". فالمعول عليه إذًا إنما هو جمال الصوت في ذاته، وهو جمال محسوس يحتكم فيه إلى الأذن. والمعروف أن النقاد قبل ضياء الدين قد أشاروا إلى طبيعة الصوت الذي يلذ للأذن، وهو ذلك الذي يأتيها باعتدال وفق ما ركبت عليه. فكأن للأذن مستوى من الاستيعاب تجمل الأصوات حين تفد عليها في هذا المستوى، وتقبح حين ترتفع فوقه أو تهبط دونه. وهي نظرية قد يكون لأرسطو أثر في نشوئها؛ وعنده أن من صفات الجميل ألا يكون كبيرًا جدًا فلا تدركه العينان دفعة واحدة، ولا صغيرًا جدًا، فتعجز عن الإلمام به، وإنما هو ما تدركه العينان بنظرة واحدة؛ فيحاط بما فيه من انسجام وإيقاع وائتلاف أجزاء. نقول هذا ولسنا على يقين تام من أن نقاد العرب قد أفادوا شيئًا من هذا القبيل من أرسطو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت