فهرس الكتاب
أخذ ضياء الدين يفتش عن سر جمال التعبير، فاهتدى إلى أن ذلك إنما يبدأ بالكلمة المفردة؛ فإنك كثيرًا ما تحس بأن هذه اللفظة أجمل وآنق من اللفظة الأخرى المرادفة لها في المعنى. ولا شك أنه اطلع على آراء المتقدمين عليه جميعًا كما بينا، فأخذ منها ما استساغه، ورد ما لم ير فيه حقًا. وقد كان ابن سنان جعل من أوصاف المفردة الفصيحة أن تكون متباعدة مخارج الحروف، فردَّ عليه ضياء الدين دعواه، ورأى أن الاستحسان إنما يعود إلى الأحرف بأعيانها، ولا شأن للتباعد في مخارجها. وليس الأمر إلا أن تكون أصوات الحروف جميلة تروق السمع. وكأنه يقول بموسيقية للتعبير اللغوي. وفي صدد رده على ابن سنان قال ضياء الدين:"على أنه لو أراد الناظم أو الناثر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ، وهل هي متباعدة أو متقاربة، لطال الخطب في ذلك وعسر، ولما كان الشاعر ينظم قصيدًا، ولا الكاتب ينشئ كتابًا إلا في مدة طويلة، تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير. ونحن نرى الأمر بخلاف هذا؛ فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ يكون متباعد المخارج، فحسن الألفاظ، إذن، ليس معلومًا من تباعد المخارج، وإنما عُلمَ قبل العلم بتباعدها. وكل هذا راجع إلى حاسة السمع، فإذا استحسنت لفظًا أو استقبحته، وجد ما تستحسنه متباعد المخارج، وما تستقبحه متقارب المخارج. واستحسانها واستقباحها إنما هو من قبل اعتبار المخارج لا بعده (23) ".