فهرس الكتاب

الصفحة 10191 من 23694

ومن جهة ثانية، إن للترادف والتأليف فيه أثرًا كبيرًا في نشوء هذه الظاهرة فقد اهتم العلماء بجمع الألفاظ المترادفة وتدوينها في فصول أو كتب كاملة اهتمامًا بالغًا، وكانت كل طبقة منهم تأخذ ما جمعته سابقتها من المترادفات وتزيد عليها ما تستطيع. والحق أن ثمة فروقًا واضحة أو خفية بين قسم كبير من المفردات التي يظن بأنها مترادفة، فهي تختلف في درجاتها أو أنواعها أو غير ذلك،"فنظر"، مثلًا، تختلف عن"رنا"و"لحظ"و"لمح"وغيرها. كما أن قسمًا من المترادفات هي صفات لمسمياتها؛ فللسيف أسماء كثيرة منها: الفيصل، الهندواني... ومن جراء ذلك تقاربت معاني ألفاظ كثيرة في اللغة العربية وتشابهت دلالاتها، وقد كانت الفروق بين تلك الكلمات واضحة لدى القدماء، بيد أنه بمرور الوقت وكثرة الاستعمال وضعف السليقة والاختلاط بالأعاجم اضمحلت تلك الفروق بين الكلمات المتقاربة وصار الناس يستعملونها بمعنى واحد فلذلك تأهب لهذا التساهل بعض العلماء وعدوّه ضربًا من اللحن وحرصوا على تنقية اللغة وأصالتها محتجين بالنصوص القديمة ومعولين على ما ذكره الأقدمون من اللغويين وما ورد عن العرب الفصحاء إبان عصور الاحتجاج وألَّفوا كتبًا وصنفوا أبوابًا (2) .

ولعل الجاحظ (ت 255هـ) هو أول من نبَّه على ذلك فقد ذكر أن الناس يضعون ألفاظًا في غير موضعها الصحيح من دون مراعاة الفروق بينها، يقول:"وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر؛ لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين الغيث" (3) . ولكن الجاحظ اكتفى بهذه الإشارة السريعة في مقدمة كتابه"البيان والتبيين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت