فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 23694

ويخيل إلي أن نوعًا من التعاطف كان يربط بين الرجلين، ربما كان ذلك بسبب القاسم المشترك الذي ألف بينهما ألا وهو الفقر، حدثنا ياقوت قال (6) :"قال أبو حيان التوحيدي: رأيته -أي المعافى- في جامع الرصافة وقد نام مستدير الشمس في يوم شات وبه من أثر الفقر والبؤس والضر أمر عظيم، مع غزارة علمه، واتساع أدبه، وفضله المشهور ومعرفته بأصناف العلوم ولا سيما علم الأثر والأخبار وسير العرب وأيامها، فقلت له: مهلًا أيها الشيخ وصبرًا فإنك بعين من الله ومرأى منه ومسمع"، هذه العبارات التي نقلها ياقوت وأعادها بإيجاز الذهبي (7) توحي لنا بشيء من الود كان يربط الأديبين الكبيرين، كما أنها تلقي ظلالًا شاحبة من البؤس على حياة المعافى. وكأن حظه من الدنيا لم يكن أحسن من حظ أبي حيان، ولكنه لم ير شاكيًا، ولا برمًا ساخطًا، كان ذا نفس كريمة وروح راضية، إذا غضب لا يغضب لنفسه ولكنه يغضب لواقع يريد إصلاحه وأمور يراها معوجة فيسعى إلى تقويمها (8) ، ومن هنا يختلف طريقه عن طريق أبي حيان ذاك الذي أحس بمرارة الواقع، ونظر إلى مفاسد عصره فلم يأخذها ككل ولكنه صب سياط غضبه على أفراد استثاروا غضبه، وحركوا نيران نقمته.

هذا أديبنا المعافى بن زكريا الجريري الذي ناصر مذهب ابن جرير الطبري ونسج على منواله فنسب إليه، وقد ذكرت المصادر أنه ألف كثيرًا من الكتب، وذكر له كل من ابن النديم والذهبي تفسيرًا في ستة مجلدات (9) ، ولم يصل إلينا من كتبه سوى الجليس والأنيس.

امتدت حياة المعافى على القسم الأكبر من القرن الرابع فقد ولد سنة 305 على أصح الروايات التي نقلت عنه وتوفي بإجماع المراجع في النهروان سنة 390هـ.

وأحب أن أعرف القارئ الكريم بالأصول التي وصلت إلينا من هذا الكتاب وأن أستعرض معه بعض الأخبار فأطلعه على أسلوب المعافى وطريقته في عرض الأخبار وتفسيرها عليّ أن أضع بين يديه الدليل الكافي على أهمية الكتاب وضرورة الإسراع في نشره.

أصول الكتاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت