فهرس الكتاب

الصفحة 10296 من 23694

ولا ينسى مؤلف المقدمة آثار الأوباء في التغير الديمغرافي. فهو حين تحدث عن الطاعون الجارف الذي نزل بالعمران شرقًا وغربًا في منتصف المائة الثامنة الهجرية يصفه بأنه"تحيّف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرًا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلّص من ظلالها، وفلّ من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن." (21)

يذكر ابن خلدون في الفصل الذي يعالج فيه أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره جملة من المفاسد كالانهماك في الشهوات وسوء التربية واضطراب النسل وقلته من جراء المفاسد. وينهي هذا الفصل بقوله:"أن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك."ثم يقول:"وإذا فسد الإنسان في قدرته ثم في أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخًا على الحقيقة."

ينبهر كثير من الباحثين الحديثين في علم الاجتماع الخلدوني عربًا وأجانب بابتكاراته وانتباهاته التاريخية المتعددة وطريقته في البحث والاستدلال ونفوذه إلى جملة المتغيرات المستقلة والمتغيرات التابعة -على حد تعبيرنا -في الحياة الاجتماعية الإنسانية. ومن أبرز العلماء المؤرخين الأجانب الذين أعجبوا بمؤلف المقدمة المؤرخ الإنكليزي توينبي Toynbee إذ قال في كتابه"دراسة في التاريخ":

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت