فهرس الكتاب
وأما المجاعات فيهمنا هنا من بعض أسبابها التي ذكرها ابن خلدون الإسراف في العناية بزراعة ما ليس فيه فائدة غذائية للشعب المزدحم. يتحدث المؤلف فيقول بصورة غير مباشرة:"وهذا معنى ما يقول بعض الخواص أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج تأذنت بالخراب. حتى أن كثيرًا من العامة يتحامى غرس النارنج بالدور. وليس المراد ذلك، ولا أنه خاصية في النارنج، وإنما معناه أن البساتين وإجراء المياه هو من توابع الحضارة. ثم أن النارنج والليم والسرو وأمثال ذلك مما لا طُعْمَ فيه ولا منفعة هو من غاية الحضارة، إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط، ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف. وهذا هو الطور الذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه كما قلناه. ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى. وهو من هذا الباب، إذ الدفلى لا يقصد بها ألا تلون البساتين بنَوْرها ما بين أحمر وأبيض وهو من مذاهب الترف." (19) .
يمكن مقايسة هذه الآراء الأخيرة المتعلقة بزراعة الأرض ما لا يغذي بما جاء عند فريق من الاقتصاديين الغربيين مثل أوتو افرتز الذي يرى مثلًا أن اعتماد الخيرات التي ترتكز على الأرض ولا ينفع استهلاكها الناس هو تحطيم لأرواح بشرية على حد دعواه، إذ لو لم تعتمد تلك الخيرات في حدائق التجميل وتربية خيل السباق لعاشت بها أناس. ويقول فيما يقول:"أن الأسرة المتأنقة التي للزوج فيها رياضته وللزوجة رياضتها لتزرع الموت والاستعباد بين طائفة من الكائنات الإنسانية" (20) . المهم عند ابن خلدون هو تعاون أبناء المجتمع وتكانفهم (بالنون) دون ترف بعض الطبقات على حساب طبقات أخر.