فهرس الكتاب
إن الدولة في أول أمرها إذا كانت"رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا وانتشطو للعمران وأسبابه فتوافر، ويكثر التناسل." (16) حتى إذا انتهت الدولة إلى غايتها في الترف والنعيم تقع المجاعات بسبب عوز الأقوات لقبض الناس أيديهم عن الفلح في الأكثر بسبب ما يقع في آخر الدولة من العدوان في الأموال والجبايات أو الفتن كما يكثر الموتان (معدل الوفيات) بسبب المجاعات أنفسها وكثرة الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج والقتل وبسبب فساد الهواء وسوء الغذاء، وشدة الازدحام وانتشار الأمراض (17) .
أما قضية الازدحام وانتشار الأمراض فهو متعلق بما يسمى اليوم بتلوث البيئة. وقد نبه ابن خلدون قديمًا على"أن تخلل الخلاء والقفز بين العمران ضروري ليكون تموج الهواء يذهب بما يحصل في الهواء من الفساد والعفن بمخالطة الحيوانات ويأتي الهواء الصحيح. ولهذا أيضًا فإن الموتان يكون في المدن الموفورة العمران أكثر من غيرها بكثير." (18)
ذكر ابن خلدون لفظ مخالطة الحيوانات التي كانت مطايا الركوب لعهده ويجدر أن نستبدل به في عصرنا مخالطة السيارات والمصانع وما تنفثه في الجو من بقايا المحروقات. هذا على الرغم من تبدل أحوال المدن في العصر الحاضر باتساع الشوارع وانتشار النظافة وجر المياه النقية وزيادة الخدمات الصحية.
وأما المجاعات فيهمنا هنا من بعض أسبابها التي ذكرها ابن خلدون الإسراف في العناية بزراعة ما ليس فيه فائدة غذائية للشعب المزدحم. يتحدث المؤلف فيقول بصورة غير مباشرة:"وهذا معنى ما يقول بعض الخواص أن المدينة أحوال المدن في العصر الحاضر باتساع الشوارع وانتشار النظافة وجر المياه النقية وزيادة الخدمات الصحية."