فهرس الكتاب
فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع. ومن تشوّف بفطرته إلى العلم منن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو... ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها. واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين. ولما تناقض عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام." (13) "
ولما كانت الحضارة أحوالًا زائدة على الضروري من أحوال العمران غدت الزيادة تتفاوت مع الغنى والرفه المتعلق بتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتًا غير منحصر، إذ يمكن التفنن في أنواع تلك الأحوال وأصنافها. ويعتمد هذا التفنن على المهارة والابتكار. ولا بدّ من تعهد الدولة لهما وتوجّه سياستها نحو هذا التعهد. ويبدو أثر الدولة في مركزها ومقرها أي عاصمتها أكثر منه في الأمصار القاصية. (الفصل السابع عشر في أن الحضارة في الأمصار من قِبَل الدول وأنها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها(14 ) )
نعكس العلاقة الآن فننظر إلى المتغير الديمغرافي على أنه نتيجة لبعض المتغيرات الاجتماعية ومعلول لها.
ذلك أن للدولة أعمارًا (15) وللعمران مراحل. وهذه المراحل متصلة بالظواهر الديمغرافية ومؤثرة فيها فتصبح هذه الظواهر متغيرات تابعة لها إذ يكثر النسل عند توطد الدولة وازدهارها.