فهرس الكتاب
وتعليل ذلك أن الدواعي تتوافر على اتخاذ الضروري في الأمصار الواسعة وعلى تأمينه للحاجة الملحة إليه، فيفضل وفرمنه وترخص أسعاره، على حين أن الكمالي فيها يشتد الطلب عليه فيقصر الموجود منه عن الحاجات قصورًا بالغًا ويكثر المستامون له وهو قليل في ذاته نسبيًا فيقع فيه الغلاء.
وعلى خلاف ذلك"الأمصار الصغيرة والقليلة الساكن. فأقواتهم قليلة لقلة العمل فيها. وما يتوقعونه لصغر مصرهم من عدم القوت فيتمسكون بما يحصل منه في أيديهم ويحتكرونه، فيغزّ وجوده لديهم ويغلو ثمنه على مستامه. وأما مرافقهم فلا تدعو إليها أيضًا حاجة لقلة الساكن وضَعْفِ الأحوال، فلا تنفق لديهم سوقه فيختصّ بالرخص في سعره." (10)
وهذا الوصف صحيح في اقتصاد السوق الحرة وفي الوقت الذي كان كل مصر يسعى نسبيًا نحو اكتفائه الذاتي. ومن المناسب أن نوضح هنا ما يراه ابن خلدون من وراء ذلك في"حقيقة الرزق والكسب". وهذا ما يقربه من نظرية ماركس في العمل والقيمة. فهو يرى أن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية وأن"ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله، وهو القصد بالقنية، إذ ليس هنالك إلا العمل."وعلى هذا فإن"المفادات والمكتسبات كلَّها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية." (11)
ولا يغفل ابن خلدون دخول الضرائب في قيمة السلع فيقول:"وقد يدخل أيضًا في قيمة الأقوات ما يفرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان في الأسواق وأبواب المصر وللجباة في منافع يفرضونها على البياعات لأنفسهم." (12) .
ثم"ان العلوم انما تكثر حيث العمران وتعظم الحضارة."وذلك"أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار. وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش."