فهرس الكتاب

الصفحة 10291 من 23694

وبالعكس. ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت أحوال الساكن ووسع المصر. كل شيء يبلغك من مثل هذا فلا تنكره واعتبره بكثرة العمران وما يكون عنه من كثرة المكاسب التي يسهل بسببها البذل والإيثار على مبتغيه" (6) ."

لقد ذكرنا قسمًا طويلًا من هذا الفصل لأهميته في الديمغرافية الاقتصادية إذ يوضح العلاقة التي تربط السكان وأعمالهم ومكاسبهم بالاقتصاد في المصر الواحد.

والأقطار على مثال الأمصار في التقدم والتأخر بسبب اتساع العمران أو ضيقه، وازدياد السكان أو تخلخلهم. فهو يعقد فصلًا آخر"في أن الأقطار في اختلاف أحوالها بالرفه والفقر مثل الأمصار"فيكتب:"إن ما توافر عمرانه من الأقطار وتعددت الأمم في جهاته وكثر ساكنه اتسعت أحوال أهله وكثرت أموالهم وأمصارهم وعظمت دولهم وممالكهم. والسبب في ذلك ما ذكرناه من كثرة الأعمال وما يأتي ذكره من أنها سبب للثروة بما يفضل عنها بعد الوفاء بالضروريات في حاجات الساكن من الفضلة البالغة على مقدار العمران وكثرته فيعود على الناس كسبًا يتأثلونه." (7) ويورد أمثلة على ذلك لعهده فيقول:"واعتبر ذلك بأقطار المشرق مثل مصر والشام وعراق العجم والهند والصين وناحية الشمال كلها وأقطارها وراء البحر الرومي (البحر المتوسط) كما كثر عمرانها كيف كثر المال فيهم وعظمت دولتهم وتعددت مدنهم وحواضرهم وعظمت متاجرهم وأحوالهم... واعتبر حال هذا الرفه من العمران في قطر إفريقية وبرقة (تونس وليبيا) لما خف ساكنها وتناقص عمرانها كيف تلاشت أحوال أهلها وانتهوا إلى الفقر والخصاصة وضعفت جباياتها فقلّت أموال دولها." (8)

ولا يغيب عن بال ابن خلدون تفاوت أسعار المدن في الضروري والكمالي بتفاوت اتساعها."فإذا استبحر المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من القوت وما في معناه، وغلت أسعار الكمالي من الأُدْم والفواكه وما يتبعها. وإذا قل ساكن المصر وضعف عمرانه كان الأمر بالعكس" (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت