فهرس الكتاب

الصفحة 10301 من 23694

ولكن أهم تلك الأسباب الجهل بطبائع الأحوال في العمران؛ فإن كل حادث من الحوادث ذاتًا كان أو فعلًا لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله. فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق على الكذب... وهذه المعرفة أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار. وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة. ولا يُرجع إلى تعديل الرواة حتى يُعْلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع. وأما إذا كان مستحيلًا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح (22) .

ثم أن خبرة ابن خلدون العملية وممارسته للقضاء وثقافته الواسعة ولا سيما في الفقه وأصوله وإطلاعه على فلسفة اليونان ولا سيما أرسطو ودراسته للعلوم العقلية ولا سيما علم التعاليم أي الرياضيات كل ذلك جعله يفند مغالط المؤرخين وينفي الخرافات ويندد بها. وقد كتب عن علم الهندسة:

"أعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لأن براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها. فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع. وقد زعموا أنه كان مكتوبًا على باب أفلاطون: من لم يكن مهندسًا فلا يدخلن منزلنا. وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون: ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقّيه من الأوضار والأدران."

وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه" (23) ."

وقد أشاد بهذه الفقرات مؤرخ العلوم الحديث جورج سارتون فكتب:

"إن بيانه هذا على ما فيه من إطناب جدير بالإعجاب. أصاب فيها المحزّ وطبّق المفصل. فالخرافات في الفكر الإنساني كالقذارة والطفيليات في الجسم مدعاة خزي مرير. ويا ويح الشعوب التي تبتلى بالخرافات والطفيليات فهي لا تدرك خزيها. وإنما تميل إلى الاستزادة منه وتغرق أنفسها في الحقارة يومًا بعد يوم" (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت