فهرس الكتاب
لا غرو إذن بعد توسع المنقول والمعقول وتطورهما والبحوث الكثيرة التي تناولتهما أن نجد ابن خلدون يتمثل ذلك التطور والتوسع ويعي طبائع المجتمع الإنساني وينفي كل زيف أو خرافة أو مبالغة في نقل الأخبار.
وعندنا أن مكانة ابن خلدون إلى جانب منهجه العلمي الذي سلكه مستندة إلى وعيه لطبائع المجتمع الإنساني وتلمسه لمسارب الكذب إلى الأخبار. ومن المفيد عرض الأسباب التي تهيء تلك المسارب. نحن نلخصها هنا ونحافظ هنا على أكثر عبارات ابن خلدون نفسه.
فمن الأسباب التي تقتضي الكذب التشيعات للآراء والمذاهب. وهي غطاء على عين البصيرة تحول بينها وبين الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله.
ومنها الثقة بالناقلين. ولا بد من تصفح أحوال هؤلاء الناقلين وهذا يعتمد على ما يسمى في علم الحديث والرواية بالتعديل فيقع في الكذب.
ومنها توهم الصدق وهو كثير. وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين.
ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها.
ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلّة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقتها. فالنفوس مولعة بحب الثناء. والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة. وليسوا في الأكثر راغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها.