فهرس الكتاب
كذلك الجغرافيون والرحالة الذي طافوا في أقطار الدول ووصفوا أحوالها بتدقيق وبيان وتفهم وإتقان. ولا شك أن كتاب المقدسي البشاري"أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"يحمل عرضًا موضوعيًا لصور الحياة المعاشية والفكرية والدينية والاقتصادية وغيرها لتلك الممالك. ثم أن العلوم الموضوعية ولا سيما علم التعاليم أي الرياضيات التي نبغ فيها العرب وعلم الهيئة وبقية العلوم كالنبات والحيوان والطب وغيرها ساعدت كلها على تكوين التفكير العلمي الدقيق الذي يبحث علل الكائنات ومعلولاتها ويقيس الغائب على الشاهد ويستيقن بأن الحوادث الاجتماعية الإنسانية تجري على علاقات ثابتة إلى أمد محدود حسب خطوط قوى كما يقول الفيزيائيون ولكنها مع ذلك رهينة التطور.
ولما جاء ابن خلدون وجد الجو الفكري مناسبًا لتوكيد كيان مستقل للظواهر الاجتماعية رآه موضوع علم جديد سماه علم العمران البشري مع ما يعرض له من عوارض ذاتية واستطاع بثقافته الواسعة وتجربته الإنسانية أن يكتب مقدمته تلك كما استطاع إلى ذلك أن يمحص الأخبار تمحيصًا وأن يدقق في الروايات تدقيقًا بطريقة أصيلة من طرائق البحث الاجتماعي أشرنا إلى جانب منها في بحثنا هذا.
وإذا نوهنا ببحوث ابن خلدون ومنهجه المبتكر في البحث العلمي فينبغي ألا ننسى أمثاله من العلماء الذين تقدموه كالإمام الماوردي في كتابه"الأحكام السلطانية".
ولا سيما أبو الريحان البيروني في كتابه المشهور:
تحقيق ما للهند ما مقولة
مقبولة في العقل أو مرذولةٍ
فإننا نجد هذا المؤلف العظيم الذي رافق السلطان محمود الغرنوي إلى الهند وعاش مدة طويلة في هذه البلاد الواسعة قد كتب ذلك الكتاب المهم في تاريخ الهند.
وعمد في مقدمته إلى فحص الأخبار وأسباب تسرب الأخطاء والأوهام إليها فهو عندنا في كتابه إرهاص بمجيء ابن خلدون. هذا عدا عظمة البيروني في بحوثه الرياضية والهندسية والفلكية.