أدخل ابن عبد ربه في كتابه هذا الكثير من شعره (1350 بيتًا) لغرض البرهنة على أن المغرب على الرغم من بعده، وصعوبة الاتصال بمراكز التعليم العربية؛ فإنه أيضًا قد نعم بمواهب شعرية ونثرية فنية، ويتوقف المؤلف في عدة مناسبات ويقارن أبياته مع أبيات أفضل شعراء العرب المشارقة واضعًا شعره مرارًا على غرار شعرهم عروضًا وقافيةً.
وبالمقابل فقد حاولوا في تلك المختارات الأولى الثناء على الشعراء الوطنين مع أنه لم يكن حينها، كرد فعل ساخط ضد المشارقة لأنهم في الوقت نفسه كانوا مضيفين لهم في الأندلس، وكانوا حتى ذلك الوقت يدعونهم ويكافئونهم بسخاء. لكن روح التمرد التي شجعت هذه الأعمال قد بدأت باكتساب لهجة أكثر عنفًا، نستطيع افتراضها بواسطة ابن بسَّام الذي يخبرنا بأن ابن فرج الجياني كان آنذاك في أواسط القرن العاشر حانقًا من اللامبالاة التي أظهرها مواطنوه ولهذا نشر كتابه الحدائق وقد جمع فيه أشعار معاصريه (4) .
مختارات شعرية من عصر عبد الرحمن الثالث:
لم يكن كتاب الحدائق -لابن فرج المؤلف الأول والمتواضع أيضًا في ردة الفعل ضد المشرق، بل كانت هناك كتب أخرى سبقته في هذا الإطار ولسوء الحظ فإن معظمها قد فُقد، وفيما يلي أعرض في سلسلة تاريخية منتظمة الأعمال التي ألفت من هذا النوع حتى مطلع القرن الحادي عشر الميلادي (5) .
1-عثمان بن ربيعة الاشبيلي (م /310هم)
صاحب كتاب -الطبقات في شعراء الأندلس -ولا نعرف إلا القليل جدًا عن هذا المؤلف ولا نعرف عن عمله شيئًا ولكن يبدو أنه قد حفظ في فاس، ولكننا نستطيع افتراض ماهية محتوياته بواسطة معرفة البناء العام لهذه الطبقات وهو اختيار القصائد الشعرية مع شرح نقدي لكل منها، وحينما توفي المؤلف لم يكن حينها قد أعلنت الخلافة في الأندلس، ولكن قبل عشر سنوات فقط استطاع عبد الرحمن الثالث استلام زمام الحكم في قرطبة.