ج-كانت الحال اللغوية في ألمانية قبل مئة سنة خلت قريبة من الحال في البلاد العربية في الوقت الحاضر، وهذا يعني أن أغلبية الناس كانوا يتحدثون بلهجاتهم المحلية شفهيًا، بينما كانت الفصحى تقتصر على الاستعمال كتابة. ثم بدأت بعد ذلك طبقة المثقفين بالتحدث مع أولادهم باللغة الفصحى، واستمر انتشار هذه اللغة من جيل إلى جيل حتى كتب لها أن تتحول إلى لغة منطوقة فاستعملها كل الناس كتابة وشفاهًا، وكانت المدارس الابتدائية من أهم العوامل في انتشار اللغة الفصحى. لقد اتخذت عائلات المثقفين والمتعلمين اللغة الفصحى كلغة وحيدة للأحاديث اليومية وأمور الحياة العادية. ومن هنا فإنه كان على الطفل الألماني ومنذ نعومة أظفاره أن يتعلم اللغة الفصحى سماعًا وكتابة في البيت، وقبل أن يدخل إلى المدرسة. وأظن أن الأحوال اللغوية في البلاد العربية ستتطور في الاتجاه نفسه إذا بدأ المثقفون يتكلمون بالفصحى مع أولادهم في البيت ومع بعضهم بعضًا في التعامل اليومي، وإذا أصبحت العامية خارج الاستعمال في المدارس.
وأهم الوسائل لانتشار اللغة الفصحى أن يتعلم الأطفال هذه اللغة سماعًا وعن طريق التحدث مع والديهم في البيت، ثم عن طريق قراءة النصوص في المدرسة بعد ذلك. أن أسوأ الطريق لتعليم العربية الفصحى هي الدروس النظرية للنحو العربي. لقد حفظت اللهجات في ألمانية مكانًا محددًا للأدب الشعبي نثرًا وشعرًا، كما أن استعمال اللهجات في ألمانية ليس خطرًا يهدد اللغة الفصحى في النظام الثقافي والتربوي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللهجات المحلية في البلاد العربية فلا أظن أنها تهدد اللغة الفصحى وخاصة إذا قامت المدارس ووسائل الإعلام بدورها المنشود والمطلوب منها. إن وجود اللهجات ظاهرة طبيعية وهي تنتشر في كل البلدان المتحضرة حيث توجد هناك لغة فصحى وأخرى عامية وهذا أمر جد طبيعي.