وإلى أين نصل بالدقة في لغتنا.؟ وما اللغات التي حظيت بمثل العناية بالدقة التي حظيت بها العربية؟ تساؤل.. لا يستطيع فردما، مهما علم ومهما عمل بما علم، أن يكون جوابه فيه، جوابًا علميًا، كامل العلمية، إذ بد له من هيئات لغوية علمية عالمية موسعة، ومنوعة الخبرات والنشاطات، ومتعمقة في الاختصاصات اللغوية ذات الدقة والموضوعية، مع المعرفة الإنسانية الشاملة التي لا تتهيأ لأفراد أو فئات من العلماء، مهما علموا وعملوا، إلا إذا اشتركوا واشتركت معهم هيئات ومؤسسات من أعلى المستويات اللغوية العلمية وأوسع هذه المستويات عالمية؛ في التصدي لصياغة الإجابة على مثل هذا التساؤل بإجابة موضوعية ومحكمة الدقة.
ولكني مع ذلك أستطيع، ودون أن أتجاوز حدود الموضوعية العلمية أن أُذكر العلمية أن أُذكر بأن من الواضح والبديهي أن عربيتنا معتادة على أن تفرض على علمائها، وعلى كل متهم بها، بعضًا من صفاتها وخصائصها ومميزاتها التي منها: ضخامة تُراثها ودقته المستمدة من دقتها وسعتها وعمقها، وعمق أغوار امتدادها، وتأثيرها في الأزمان والأمكنة، وتنوع مستوياتها العلمية والحضارية، وطول باعها، وعمق نَفَسها الطويل في التقصي والتتبع الذي يدفع ببعض علمائها إلى أن يهبوا أنفسهم وحيواتهم كلها، أحيانًا، من أجل تدقيق جُزَيءٍ صغير من جزيئاتها، صابرين.. وليسوا فقط بصابرين عما يحبون، وعلى ما يكرهون؛ بل.. وأنواعًا من الصبر قد لا تخطر على البال.. وأي صبر أعجب وأصعب من مقابلة السخرية التي يواجههم بها بعض الأدباء الذين يميلون أحيانًا إلى شيء من التمرد الإبداعي على قيود النظام اللغوي الدقيق الصارم، كما كان الفردزدق مثلًا يسخر من ابن اسحق النحوي الذي كان يسأل الشاعر: علامَ رفعت كذا.. أو جررت كذا.. فيجيبه الفرزدق: على ما يسوءك وينوءك. مع ذلك تجد ابن اسحق يقول لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة..