والمتنبي الذي كان يعترف -وما أصعب أن يعترف سيد المتكبرين والمكابرين وأفصحهم فيقول: (ابن جني أعلم بشعري مني) . ومع ذلك لم يكن يتحرج من السخرية به في أحايين قليلة، كما تقرأ في مقدمة كتاب"الخصائص" (2) لابن جني، وفي (مسالك الأبصار) :"كان أبو الطيب المتنبي إذا سئل عن معنى قاله أو توجيه أعراب حصل فيه إغراب؛ دل على ابن حني وقال: عليكم بالشيخ الأعور ابن جني فسلوه فإنه يقول ما أردت وما لم أُرد".
... كم كان علماء اللغة يعظمون من شأن أولئك الأعراب البداة الجُفاة الذين كانوا يقابلون العلماء بالشتم والهجاء، وفي مقدمة ديوان المتنبي (3) بشرح البرقوقي أبيات لعمرو الكلبي وقد أنشد:
باتت نعيمة والدنيا مُفرقةٌ
فقيل له: لا يقال مزعوج، وإنما يقال: مُزعج، فجفا ذلك عليه، وقال يهجو النحويين: ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا؟
ماذا لقينا من المستعربين ومن
ان قلتُ قافيةً بِكرًا يكون بها ... بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا
قالوا: لَحنتَ وهذا ليس منتصبًا ... وذاك خفضٌ وهذا ليس يرتفع
وحرَّضوا بين عبد الله من حُمُق ... وبين زيدٍ فطال الضرب والوجع
كم بين قومٍ قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابهم طُبعوا..
ما كل قولي مشروحًا لكم فخذوا ... ما تعرفون، وما لم تعرفوا فدعوا
لأن أرضي أرض لا تُشَبُّ بها ... نار المجوس ولا تُبنى بها البيع
أين المعجم الوافي؟ ... صلى عليه الله ذو الفضل
هل استطاعت المؤلفات والمصنفات العظيمة الهائلة، في موضوع المعجم العربي، أن تفي -على ضخامتها ودقتها -بمطالب المثقفين والكتّاب والممارسين؟ في هذه اللغة التي امتدت أصولها في الأزمنة والأمكنة أكثر من عشرين قرنًا في قارات العالم القديم الثلاث، وشاركت في صياغة تراثها أغلب الأمم التي صنعت تاريخ الحضارات القديمة، وأجزاء هامة من حضارات العالم الحديث؟